القباج: أزمة التعليم نتاج تفكير من رضعوا الثدي الفرنسي (حوار) – اليوم 24
القباج
  • الشامي

    الشامي: المغاربة لا يقرؤون إلا دقيقتين في اليوم!

  • عبد القادر الفاسي الفهري

    الفاسي الفهري: النخب «مزعومة» وأصحاب التيار الفرنكفوني ركبوا اللغة لتحقيق الغنائم

  • حسام قبلاوي

    حسام القبلاوي: المرأة المُسلمة تدفع فاتورة معتقدها مضاعفة في الشرق والغرب- حوار

حوار

القباج: أزمة التعليم نتاج تفكير من رضعوا الثدي الفرنسي (حوار)

في هذا الحوار، ينتقد الكاتب وأستاذ الفلسفة محمد مصطفى القباج، نقدا لاذعا، اختيار الفرنسية كلغة لتدريس العلوم في المدارس المغربية. إذ يرى أن هذا الاختيار لا يقوم على دراسات علمية تثبت فعاليته ونجاعته، موجها أصابع الاتهام إلى اللوبي الفرنكفوني في تحريف الدستور لاعتماده. كما ينفي تهمة العجز التي تلصق بلغة الضاد، فيما يتعلق بالإنتاج العلمي، مستشهدا بأدائها القوي في المحافل العالمية، خاصة على صعيد المنظمات الثقافية والعلمية.

بداية كيف تنظر إلى السجال حول اللغة العربية ومحوريتها بالنسبة للتعليم المغربي؟

ينبغي إبراز حقيقة لا يرقى إليها الشك، وهي أن اللغة العربية استطاعت ولعدة قرون أن تطور نفسها تطورا تصاعديا من حيث التقعيد، نحوا وصرفا وبيانا، واغتني رصيدها من الكلمات والمصطلحات بما أنجز من معاجم وقواميس لغوية وتاريخية ومتخصصة، وراكمت تراثا ضخما في كل المجالات الفكرية والعلمية والإبداعية. هذه المنجزات أدت إلى ارتفاع منسوب صلاحيتها ومقدراتها في الأنظمة التعليمية العربية. وشكل الإسلام بالنسبة للعربية قيمة مضافة أهلها لتكون، وبفضل دائرة استعمالها الواسعة، لغة رسمية في المنتظمات الدولية كالأمم المتحدة واليونسكو التي خصصت يوما عالميا للاحتفال بها. ولم نسمع يوما أي واحد في هذه المنظمات من يصمها بالعجز، والجميع يعلم أن تلكم المنظمات تتداول أصنافا تغطي كافة فروع العلوم الإنسانية والرياضيات والعلوم الطبيعية وحقول الحكامة والتدبير والبيئة والهندسات… إلخ.

ويأتي اليوم، في مغربنا، نفر من القوم يدعون أن اللغة العربية عاجزة عن أن تكون لغة العلم والتعلم، ويحرفون إجماعا وقع التوافق عليه، مصاغا في الاستراتيجية الوطنية لإصلاح التعليم التي سمحت فقط بإمكانية اللجوء إلى لغات أجنبية لتعليم مجزوءات من المواد العلمية في إطار ما اصطلح عليه بالتناوب اللغوي، ويشرعوا إلزاما فرض لغة أجنبية، الفرنسية بخاصة، لتعليم المواد العلمية، وإدخالها كلغة في سائر الأسلاك التعليمية. يأتي هذا كله كخرق لمقتضيات دستور 2011.

هكذا أصبحت اللغة العربية تواجه طائفة من المتنكرين لقدراتها، وبدلا من بذل الجهود لتطويرها وتعزيز مكانتها وتوفير الموارد البشرية لأداء مهامها، هلَّ علينا سعيٌ تآمري لإبدالها بلغة أجنبية، لغة الاستعمار البغيض الذي بذل أقصى الجهود للإجهاز على هويتنا. جلي، إذن، أن معركة الدفاع عن اللغة العربية معركة فكرية وحضارية ودستورية، كما عبرت عنه في مداخلاتي ومنشوراتي من المقالات والكتب منذ عقود، منبها إلى ما يحاك في الخفاء وفي العلن ضد دالة وجودنا الوطني. وبالتالي، فإنه من واجب كل أكاديمي غيور على العربية أن يفضح هذا التآمر بمنهج علمي موضوعي لا يقدر عليه السياسيون. وبالمختصر الواضح والمفيد أرى أن القانون الإطار الذي يفعل وينفذ منظومة التعليم والتكوين والبحث العلمي يتضمن مادة غير دستورية تضفي الشرعية على تعليم العلوم باللغة الفرنسية. هذا الرأي الذي أتبناه لا يعني أني من دعاة الانغلاق والتعصب، بل أرى ضرورة تعلم اللغة الأجنبية لمسايرة تطور العصر.

أضيف إلى هذا كله أن معركة اللغة العربية معركة حضارية وفكرية قبل أن تكون سياسية تندرج في الاختيارات الحداثية، التي هي قاعدة النهج الديمقراطي المؤسس للمواطنة بما تستوجب من المشاركة السياسية والالتزام القانوني بالواجبات والحقوق. إنه توجه يثبت الاستقلالية الوطنية في منأى عن أي تأثير أو توجيه أجنبي. وفي المحصلة النهائية للغة العربية المقدرة على الدفاع عن نفسها ومواصلة تطورها.

إذا، ما تعليقك على من يدعي عجز اللغة العربية في المجال العلمي؟

من يقول بذلك نظره قصير، من يقول بذلك هو شخص مستلب لا يحترم بلاده. وحتى على افتراض وجود نسبة ضئيلة من القصور المصطلحي، فإن الواجب هو خدمتها لتفادي هذا القصور بدلا من إقصائها مرة بدعوى صلاحية الدارجة للتعليم، ومرة أخرى بإلزامية اللجوء إلى الفرنسية، لتدريس العلوم.

من تقصد بهؤلاء الأشخاص؟ هل يتعلق الأمر بالنخبة الفرنكوفونية التي تتولى قطاعات حيوية؟ ألا توجد إملاءات فرنسية في هذا السياق؟

أقصد أن المغرب ابتلي بهؤلاء الأشخاص الذين رضعوا من الثدي الفرنسي ويهيمنون على مناصب عليا سلطوية وتنفيذية. إنهم السبب في ما يعرفه التعليم من أزمات، وهم أيضا السبب في هيمنة الفرنسية على الحياة العامة وخاصة في الإدارات التقنية، وهم أصحاب دعاوى غريبة، كربط الترقي الاجتماعي وولوج أسواق الشغل بفضل الفرنسية ومدارس البعثات الأجنبية. بالإضافة إلى هذا وذاك، فإن اللوبي الفرنكفوني مسؤول إلى حد كبير عن التحريف الدستوري في قانون الإطار. أؤكد، إذا كان الأمر يحتاج إلى تأكيد، أني لا أضمر أي عداء لأية لغة أجنبية، بحكم أني من دعاة الحداثة المؤسسة على العقلانية.

في هذا المناخ اللغوي المضطرب، ولمواجهة المد الفرنكوفوني، تداعت مجموعة من المواطنين لعقد لقاء للتحاور حول لا مشروعية القانون الإطار بمبادرة من الأستاذ محمد الخليفة والأستاذ عبد الإله بنكيران والائتلاف الوطني للدفاع عن اللغة العربية، الذي دعاني لهذا اللقاء وأكد لي أن المدعوين يمثلون صفتهم الشخصية ولا يمثلون أي حزب أو نقابة أو جمعية. وقد لبيت الدعوة معتبرا أن هذه المبادرة من شأنها أن تكون قوة ضغط كفيلة بالتصدي لما يحاك ضد لغتينا الرسمية والوطنية العربية والأمازيغية.

فوجئت غداة اللقاء الأول الذي أعلن عن انطلاق المبادرة أن الإعلام، قصدا أو غير قصد، عوض إبراز المركب الأكاديمي والحقوقي، ركز على المركب الحزبي والسياسي والديني وكأن هذه المركبات تشكل قطيعا تابعا. هذا ما جعلني أعبر عن تحفظي، وأعلن بمناسبة هذا الحوار أني أنسحب من المبادرة، وسأواصل خوض المعركة الفكرية والحضارية والعلمية، ليس للدفاع عن اللغة العربية فهي مؤهلة للدفاع عن نفسها، ولكن للإسهام في المباحث الأكاديمية والتربوية للتدليل على صلاحية ومقدرة العربية على أن تكون لغة تعليم للمواد العلمية، وكبح جماح الداعين لفرض أية لغة أجنبية في هذا المجال.

هل تعتقد أن هذه المبادرة وما ترتب عنها من خلل في بلورتها وإخراجها إلى الرأي العام تترجم افتقاد رجل السياسة إلى رؤية واضحة إلى مكونات الشخصية المغربية؟ وإلى أي حد يمكن القول إن موقع اللغة العربية في السياسات العمومية هو نتاج هذا القصور في الرؤية؟

الأكاديمي والمثقف يشتغلان بمنهجية منطقية ومنهجية، تبحث عن كل ما يدعم واقعة اجتماعية أو اقتصادية، قانونية… إلخ، لا تهم أية مصلحة أو منفعة إلا المصلحة العامة وبالسعي لبلورة السبل المؤدية إلى الحقائق وتجنب الأخطاء أو التحريفات. أما السياسي فهو يشتغل على نفسه أولا، وفي مرتبة ثانية على قضايا المغرب، عين السياسي على الانتخابات التي تتيح له مكاسب مصلحية وتبوء كراسي السلطة، ومن هنا تعارض سلطة المثقف مع سلطة السياسي. جوابي عن السؤال واضح. إن التحريف الذي وقعت فيه المبادرة بجعل قيادتها سياسية هو بالفعل قصور في الرؤية ناجم عن إيلاء ما هو شخصي وذاتي الأولوية لما يعزز مركبات الشخصية المغربية. السياسي، أكان يمينيا أو يساريا تؤطره رؤى ذاتية تسعى إلى توافقات هشة؛ أنظر إلى ما تعرفه الساحة الحزبية من تنابزات واعتبارات تخضع لثقل التراث التقليدي حتى في وهم تبني الحداثة.

أعود إلى القانون الإطار لتنفيذ مقتضيات منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي الذي كان السبب في انطلاق المبادرة المجهضة، لأتساءل معك هل هذا القانون، فيما يتعلق بلغة تعليم العلوم، مؤسس على دراسات وقياسات علمية لمدى فاعلية لغة ما وعجز لغة ثانية؟ أكيد ألا مرجعية علمية لهذا القانون، في حين هناك مرجعيات كثيرة تدل على أن اللغة العربية تمتلك كفاءات تعليمية. يكفي أن نذكر بعديد من المنظومات التعليمية في البلاد العربية (العراق، سوريا، مصر، السعودية… إلخ).

في نظرك، لماذا هذا الإصرار عند الفاعل السياسي على خرق الدستور فيما يتعلق بلغتي البلاد الرسمية والوطنية: العربية والأمازيغية؟

أرى أن مرد هذا الإصرار هو الوهم بأن لغة العلم، وبالتبعية لغة المصلحة، هي اللغة الأجنبية، وبالخصوص اللغة الفرنسية من وجهة نظر اللوبي الفرانكوفوني، لدرجة أن الوهم أصبح عقيدة مقدسة، وهذا أمر خطير للغاية. ألا يعلم هذا اللوبي الواهم أن الفرنسية في وضعها الراهن أصبحت في مرتبة متدنية بالمقارنة مع اللغات الإنجليزية والصينية والإسبانية، على سبيل المثال لا الحصر، من حيث الذيوع الديمغرافي.

في علاقة مع ما ذكرت، هل تقف الاعتبارات والعوامل نفسها دون تنفيذ مقتضيات الدستور بإنشاء مجلس وطني للغات والثقافة المغربية وجناحها العلمي أكاديمية اللغة العربية؟

سؤالك في محله، فلحد الساعة لم تستطع السلطة الحكومية التي هي بيد السياسيين، تفعيل المقتضى الدستوري بإخراج المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية إلى حيز الوجود. وهذا العجز هو أقصى درجات الاستخفاف باللغتين العربية والأمازيغية. دليلي على ذلك أن قرار تأسيس أكاديمية للغة العربية مجمد في رفوف الحكومة، والحالة أن من المهام الموكولة لهذه الأكاديمية تمكين المنظومة التعليمية بما يلزم من الدراسات والمفاهيم والمصطلحات التي تعزز مكانة اللغة العربية ورفع قدراتها في تعليم المواد العلمية عبر جميع الأسلاك التعليمية. ويمكنك تعميق هذه النقطة مع زميلنا الأستاذ عبد القادر الفاسي الفهري الذي كان من المرشحين لأمانة سر هذه الأكاديمية.

في رأيك، هل يمكن اعتبار هذه المعوقات هي ما يبرر صمت المؤسسات الأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني، وخاصة المنظمات الثقافية عما تواجهه قضية اللغة العربية في بلادنا؟

المؤسسات الأكاديمية والمنظمات الثقافية تنخرها معضلات كبرى ترفع من منسوب ضعفها (المثل على ذلك الوضعية التي يمر منها حاليا اتحاد كتاب المغرب). لذلك وجد السياسيون في هذا الضعف مدخلهم للترامي على قيادة المبادرة وتهميش مركبها الأكاديمي والحقوقي، لذلك أرى أن الحد الأدنى من الممكنات هو تقوية الائتلاف الوطني للدفاع عن اللغة العربية عبر الدراسات والملتقيات العلمية والحقوقية.

باعتبار الضعف الذي تعاني منه المنظمات الثقافية، أود، وأنت الآن رئيسا للجنة التحضيرية لمؤتمر اتحاد الكتاب الاستثنائي، أن تطلعنا على آخر الاستعدادات لعقد هذا المؤتمر؟

تنويرا للرأي العام، أعلن أن اتحاد الكتاب يجتاز مرحلة دقيقة وخطيرة لأنه يوجد في وضعية غير قانونية لأن المكتب التنفيذي الذي أصبح اليوم بلا رئيس تجاوز مدة ولايته دون أن يتمكن من عقد المؤتمر العام التاسع عشر، الذي وقع إجهاضه وتم الإعلان عن تأسيس لجنة تحضيرية لمؤتمر استثنائي بجدول أعمال يتضمن نقطة واحدة، وهي انتخاب مكتب تنفيذي ومجلس إداري ولجنة حكماء مكلفة بمهام التتبع والتقصي. ولا أخفيك أنه حين اقترح علي أن أتولى رئاسة هذه اللجنة التي أصبحت لجنة موسعة، ترددت كثيرا لشعوري بصعوبة المهمة، لكني قبلت تحملها لهدف واحد؛ هو إنقاذ هذه المؤسسة ذات التاريخ المجيد. الآن وبعد التغلب على العديد من الصعاب، والوصول إلى توافقات إجرائية استطاعت اللجنة الحصول على قرار لوزير الثقافة السابق بدعم المؤتمر لمواجهة متطلباته اللوجستيكية، إلا أن التعديل الحكومي الأخير الذي أتى بوزير جديد للثقافة استوجب الأمر تثبيت قرار الدعم، وهو ما ننتظره لحد الساعة حتى نتمكن من تحديد موعد انعقاد المؤتمر.

شارك برأيك