بلال التليدي يكتب: حساب “حمزة مون بيبي” والنموذج الفكري والنفسي للتحكم – اليوم 24

بلال التليدي يكتب: حساب “حمزة مون بيبي” والنموذج الفكري والنفسي للتحكم

  • بلال التليدي يكتب: خاطبوا تركيا مباشرة بعيدا عن توظيف دكاكين البقالة

  • بلال التليدي يكتب: ماذا وراء إنهاء تغوّل “اتصالات المغرب”؟

تابعت مثل غيري قضية حساب «حمزة مون بيبي» والتداعيات الخطيرة التي أخذها، والشخصيات الفنية التي استدعيت للتحقيق، وحجم التصريحات الوطنية والدولية التي أدليت بمناسبة فتح التحقيق، والأضرار البليغة التي أحدثها هذا الحساب.

لا يهمني في الحدث من صاحبُ هذا الحساب، ولا كيفية اشتغاله، ولا الشبكة التي تسنده، وتمده بالمعطيات حول الحياة الخاصة والعامة للفنانين، فهذا من اختصاص القضاء، والقضاء اليوم، أو غدا سيكشف هذه التفاصيل، لكن ما يهمني بشكل أساسي، هو تحليل النموذج الفكري والنفسي الذي أطر هذه الممارسة، وجعلها تبتدئ بمستواها الضئيل، وتنتهي إلى هذا الشكل الإجرامي الخطير والمتشعب.

فكرة القائمين على هذا الحساب تقوم على ثنائية (من مع ومن ضد)، فهناك فنانون يجري رفع مقامهم، وهناك آخرون يجري الهجوم عليهم وتدميرهم. 

لنلاحظ أن بعض الأضرار وصلت إلى حد تدمير حياة زوجية، وتدمير مستقبل مهني، والتشهير بالحياة الخاصة الفنانين والفنانات.

لننتبه مرة أخرى إلى الآليات التي تستعمل في الثنائية المتقابلة التي اعتمدها هذا الحساب: (الترميز والتدمير)، ترميز فنانين يوالون القائم على هذا الحساب، وتدمير منتقديه باستعانة بالتشهير والخوض في الحياة الخاصة، وأحيانا الطعن في الشرف والانتماء الوطني.

لننتبه مرة ثالثة إلى أهداف «الحساب» من خلال التفاصيل الخاصة التي وردت في التصريحات الكثيرة التي صدرت أثناء فتح هذا التحقيق، فالقصد هو الهيمنة على العرض الفني الموجود، وتوفير فرص للمقربين، وإبعاد المغضوب عليهم والعمل على إفقارهم بإخراجهم بالكلية من الساحة الفنية.

لنجمع بتلابيب هذا النموذج ونقرأ خلفيته الفكرية والنفسية، فالأمر في حقيقته مرتبط بساحة فنية، يجري فيها التنافس على عرض فني محدود أو وافر، والمفترض أن التنافس يقوم على معايير ترتبط بالفن وجودته وتلبية الطلب المتعدد، لكن يظهر حساب «حمزة مون بيبي» أن الأمر يجري بطريقة مختلفة، فهناك صناعة تحكمية، تفرض واقعا فنيا مختلفا عن القواعد المعيارية التي يفترض أن تؤطر المنافسة الفنية، وأن هذا الحساب والقائمين عليه بواقع القرب من السلطة أو مجرد الشعور بذلك، قاموا فقط، بمحاكاة هذه الصناعة والنسج على منوالها، بعدما تعرفوا على البِيئة الفنية وقواعدها وآليات التحكم فيها ترميزا وتدميرا.

جوهر هذا النموذج التحكمي يقوم على فكرة الهيمنة على العرض الفني، والتحكم فيه، وتقديم جزء منه لمن يوالي، وإقصاء من يعارض، والعمل ليس فقط، على إفقاره وإخراجه من الساحة الفنية باستدامة وضع عدم استفادته من حقه في العرض الفني، وإنما العمل على تدميره كلية حتى في  مستقبله وحياته الخاصة وعلاقته بأسرته وأبنائه وجيرانه

لا تهم فكرة الأخلاق في الآليات المستعملة لتحقيق أهداف هذا النموذج التحكمي، فما يهم، هو بلوغ نتائجه، مهما كلف الأمر ذلك، وبأي وسيلة حتى ولو أفضت إلى خلق حالة من الاستياء العارم من المستوى الأخلاقي للعلاقات الإنسانية بين رموز الوسط الفني.

لنترك موضوع «حمزة مون بيبي»، وننتقل هذه المرة إلى تسريب منسوب إلى المدرب المقتدر جمال السلامي، الذي قاد فريقه الرجاء البيضاوي لانتصارات مذهلة وزرع روح قتالية كبيرة في فريقه.

لنتوقف عند أهداف النموذج التحكمي الذي حكى عن أهدافه وتحدث بتفصيل عن آلياته، ولنستدع معه أيضا تصريحا سابقا للمدرب المقتدر الحسين عموتة الذي قاد المنتخب الوطني لانتصارات كبيرة،  ولنركب عناصر النموذج التحكمي في الرياضة، فهو يقوم على فكرة نصرة فريق معين يتمتع بصفة واحدة، هي الانتماء السياسي إلى القائمين عليه والشعور بالقرب من السلطة، وتوفير كل آليات الدعم لهذا الفريق، بما في ذلك الآليات غير الأخلاقية، والمتمثلة في خطف اللاعبين، وربما تسويغ فكرة تدمير بعض لاعبي الخصم عبر العنف المقصود، واستعمال الحكام، وغير ذلك. أي استعمال كل المكونات المؤثرة في اللعبة، من الاحتضان وتقديم المال وشراء اللاعبين في الانتدابات وإغراء بعضهم للخروج من نوادي منافسة واستعمال سلطة الوكلاء المتحكمة في السوق الرياضة، واستعمال الحكام، بل وتسويغ اللجوء إلى العنف لإعطاب لاعبين مميزين وإجبار فريقهم لترك المنافسة.

تركيب الخلاصة من تأمل أهداف النموذج التحكمي في الفن والرياضة، أن أقصى ما يمكن أن يصل إليه، ليس هو ترميز تحكمي لبعض الفنانين أو ترميز فرقة مقربة على حساب أخرى، ولكن النتيجة هي تدمير الوسط الفني والرياضي وإفسادهما بالكلية والقضاء على المعنى فيه.

قبل أن أنتهي من تحليل النموذجين التحكميين، تذكرت أن المشهد السياسي يعرف النموذج عينه، بالقواعد والآليات عينها، فتأكدت أن التحكم يقتل المعنى في السياسة، وفي مختلف التعبيرات التي يدخلها، الفنية والرياضية  والثقافية والاقتصادية، بل وحتى الأكاديمية.

شارك برأيك