إسماعيل حمودي يكتب: سرقة القرن – اليوم 24
اسماعيل الحمودي
  • اسماعيل الحمودي

    إسماعيل حمودي يكتب: كورونا تعيد ترتيب أولوياتنا

  • إسماعيل حمودي يكتب: كيف سيُصبح العالم بعد كورونا؟

  • اسماعيل الحمودي

    إسماعيل حمودي يكتب: قضية أمن قومي

الرأي

إسماعيل حمودي يكتب: سرقة القرن

 وثيقة ترامب غرضها ليس حل القضية الفلسطينية، بل توثيق عملية سرقة صهيونية مفضوحة جرت على مراحل طويلة، وبمساعدة بعض الحكام العرب. 

إنها وثيقة مزورة لتسجيل المسروق وإضفاء الشرعية على سرقته. ولا غرابة أن يجتمع كل السراق، بالأصالة أو بالمشاركة أو بالمساهمة، في الدفاع عن الوثيقة وسلامتها القانونية، لأنهم شركاء في سرقة فلسطين، ولا تسألوا بعد ذلك عن الثمن.

الذين أعلنوا مباركتهم لوثيقة ترامب، يفعلون ذلك بغرض غسل أيديهم من دم الأبرياء في اليمن وليبيا، ودم الضحايا في «رابعة»، ودم جمال خاشقجي، ومحمد مرسي، وآهات الآلاف من المهجرين والمسجونين واللاجئين. 

لا يمكن من فعل كل ذلك أن يستحيي من التضحية بتاريخ ومستقبل الشعب الفلسطيني، بآلامه وأحزانه، وبنضالات رموزه الكبار؛ ياسر عرفات وأحمد ياسين وخالد الحسن وخليل الوزير وفتحي الشقاقي وصلاح خلف وأبوعلي مصطفى والآلاف من قوافل الشهداء غيرهم.

وأتوقع اليوم أن أقوى الضغوط على القيادة الفلسطينية، خصوصا الرئيس محمود عباس، تأتي من هؤلاء، للقبول بإمضاء وثيقة شرعنة ما سُرق بالقوة من الشعب الفلسطيني، وأتوقع أن أسوأ ابتزاز يمكن أن تتعرض له القيادة الفلسطينية اليوم سيكون منهم. 

إنهم جيل جديد من الحكام، ممن أظهروا جفاء غير مسبوق للقيم العربية، وبات همّهم الرئيس إنقاذ مستقبلهم السياسي على كرسي السلطة.

لكن، أمام السلطة الفلسطينية، وقد رفضت البيع وتزكية عملية السرقة، ثلاثة خيارات؛ الخيار الأول، أن تحل السلطة نفسها، وتقرر العودة إلى منظمة التحرير الفلسطينية، أي العودة إلى ما قبل اتفاق أوسلو، وهو خيار تطرحه قوى فلسطينية وعربية على القيادة الفلسطينية منذ أزيد من عقدين، بعدما ظهر أن «إسرائيل» تستغل أوسلو لانتزاع المزيد من الأراضي، ولإلقاء كلفة الاحتلال المالية والأمنية على عاتق العرب، لكن هذا الخيار لا يبدو أن القيادة الحالية، بزعامة محمود عباس، ستمضي فيه.

الخيار الثاني، أن يكون موقف السلطة المعلن من وثيقة ترامب مجرد مناورة جديدة من مناورات محمود عباس، الهدف منها تعديل وثيقة ترامب في اتجاه إحراز بعض المكاسب، وربما سيقع التركيز أكثر على أن تكون القدس الشرقية عاصمة لفلسطين، كما تطالب بذلك الجامعة العربية، لما للقدس من رمزية دينية وثقافية، وتحسين التمثيل الدبلوماسي، وتعزيز الدور الأمني للسلطة الموعودة في الوثيقة، وهو خيار يبدو هو الأرجح لأن دولا عربية تطالب به، ولأن الخيارات أمام القيادة الفلسطينية محدودة.

الخيار الثالث، هو عدم التوقيع على وثيقة ترامب، وهو خيار قد يرجح لدى عباس ورفاقه في حال تشدد الطرفين الإسرائيلي والأمريكي، من خلال تشبثهما بما ورد في الوثيقة المعلنة، أي لا قدس ولا دولة ولا حدود ولا عودة للاجئين، بل كيانات فلسطينية منفصلة عن بعضها البعض فوق أقل من 13 في المائة من أراضي الشعب الفلسطيني، على أبوابها قواعد عسكرية وأمنية إسرائيلية. 

إذا تشبث نتنياهو وترامب ومعهم بعض الحكام العرب، الذين أعلنوا تأييدهم للخطة، بمضامينها، في هذه الحالة، قد ترفض القيادة الفلسطينية، بل قد تجد نفسها مجبرة على رفض التوقيع على الوثيقة، وتحمل تبعات ذلك، أي الحصار والتجويع والبطش من لدن «إسرائيل» وحلفائها العرب كذلك.

مهما يكن، لا يبدو أن وثيقة ترامب طُرحت من أجل التفاوض، لأنها لا تسعى إلى حل أو تسوية، بل تسعى إلى شرعنة الاحتلال/السرقة، أي شرعنة الأمر الواقع، وهو خيار تزكيه بعض الدول العربية، للأسف، التي تريد تصفية القضية الفلسطينية لصالح أولوياتها الخاصة. 

إنهم يريدون إسرائيل إلى جانبهم في مواجهة إيران وتركيا، ليس من أجل نهضة العرب وتقدمهم، بل من أجل أن يستمروا على كراسي الحكم التي ورثوها عن آبائهم. لم يدركوا بعد أن الشعوب لم تعد قاصرة، وباتت فاعلا، وستكون أكثر تأثيرا في المستقبل، بل وتدرك أولوياتها جيدا. وربما يتجاهلون أيضا أن أية حروب مقبلة مع إيران أو غيرها قد تكون من مصلحة «إسرائيل» ومن يعدونهم بالحماية أو يوفرونها لهم فعلا.

شارك برأيك