منير أبو المعالي يكتب: الإساءة لا تتقادم فعلا! – اليوم 24

منير أبو المعالي يكتب: الإساءة لا تتقادم فعلا!

  • منير-ابو-المعالي

    منير أبو المعالي: ليس من أجل رأس واحد

  • منير ابو المعالي

    منير أبو المعالي يكتب: أخرجوا الملفات

من بيته، بث الحسن عبيابة، يوم الاثنين الفائت، بيانا تحذيريا إلى المراسلين الأجانب المعتمدين في المغرب. كان آخر أعماله، قبل أن يُصبح وزيرا سابقا، هو ما شكل ملامح صورته منذ تعيينه قبل حوالي سبعة أشهر؛ رجل يبحث عن أن يكون مهاب الجانب، وبشكل رئيس، مسؤولا لا يتورع عن التهديد كل مرة شعر فيها بالانتقاص.

بصفته وزيرا للثقافة، والشباب، والرياضة، وناطقا رسميا باسم الحكومة، ومكلفا بقطاع الاتصال كذلك، دون تسمية، فقد كان يجب أن يكون وزيرا معجزة، لكنه لم يكن كذلك. وهذه أول مرة يصبح من الصعب علينا تحديد من ينبغي أن يوجه اللوم إلى من؛ فالصحافيون، والشعراء كما الأدباء، والرياضيون، ثم الجمعيات التي تضم الآلاف من الأطفال والشبان، تجمعت دماؤهم فجأة بين يد واحدة، ولقد عبث بها كما يجب بالفعل.

لنر ما فعله بنا، نحن الصحافيون أولا، ثم لننظر إلى ما فعلناه نحن بأنفسنا ثانيا. ينبغي ألا تكون الكوارث عذرا لكتم نفس الرقابة، ولو كنا مخطئين في ذلك، ما كان ليُرمى بعبيابة من النافذة، فيما الأزمة بالكاد تطل علينا برأسها.

علقت في الأذهان عبارة حاسمة: «الإساءة لا تتقادم». كانت عبارة شُحنت بطابع شخصي، وكأن مسؤولا حكوميا بصدد الانتقام. لقد رمى الوزير بهذه الكلمات وسط حشد من الصحافيين، في ندوته التي تلت أشغال مجلس حكومي، ثم ذهب. لم يترك حيرة في النفوس بالطبع، وإنما دهشة ثم تنديدا. كان عبيابة يتصرف وكأنه رئيس للصحافيين، وأيضا كغريم بذاكرة صلبة. وفي الواقع، كان الرجل شديد الحساسية إزاء الانتقادات التي كيلت له، ولسوف يحول «الإساءة» إلى بيان حرب.

كان الرجل مشغولا بشيء واحد على ما يبدو؛ أن يحصي ما يكتبه الصحافيون عنه. في اجتماع عاصف جمع بينه وبين رؤساء صحف أخيرا، كانت لدى عبيابة طريقة غريبة في المجادلة، لقد سحب ملفا وشرع يعدد كل المقالات التي كتبت في غير مصلحته في الصحف التي يملكها أو يديرها الأشخاص الذين أمامه. كانت منهجية مثيرة للاشمئزاز أن تؤسس مناقشة، ثم مفاوضة، مع صحافيين حول الأساس الأخلاقي لعملهم. بعبارة أخرى، كان يمكنه أن يرشوهم بشكل مباشر، أفضل من أن يلوح بكل تلك التهديدات وكأنه ضابط شرطة غاضب.

لكن عبيابة رجل كثير الاستسهال. وهو لم يقدم أي شيء للإعلام على كل حال. وكل محاولاته كانت منصبة على أن يتصرف بصفته رقيبا، وإذا فشل في ذلك، يسعى إلى البحث عن طريقة مبتكرة. ولسوف يكون الدعم العمومي الذي يمنح لمؤسسات الصحافة وسيلة رغب بواسطتها في أن يلين صحفا بالكامل. لقد فعل ذلك دون أن يرف له صنبور، مثل شرطي حدود قرر فجأة أن يسد الطريق على الجميع، حتى وإن كانت أوراقهم سليمة.

لكن الخطأ ليس وجود شخص يملك عقلا متكلسا مثل هذا، في ذلك المنصب، لكن الخطأ يتجلى في أولئك الذين تكفلوا بتوضيب المنصب نفسه. لم يكن لعبيابة تاريخ، ولم يكن شخصا يخطط لأن يترك ميراثا. كان مدبرا يوميا لشؤون الوزارات الثلاث وقد جمعت بين يديه، ولسوف يترك كل شيء للموظفين المتحلقين من حوله، ثم يعود إلى بيته دون أن يتلقى عتابا. وبوصفه ناطقا رسميا باسم الحكومة، فقد كان شخصا يفضل أن يمكث في بيته على أن يقدم أي بيان.

ومع ذلك، يجب ألا نغفل عما هو مهم؛ إن عبيابة ليس مأساة لذاته فحسب، وإنما أيضا درس قاس لنا كصحافيين. كيفما تكونوا يُولى عليكم دون شك! ولقد وضحت لنا أزمة عميقة مثل جائحة «كورونا» كيف تكون النتائج وخيمة عندما تسمح بتحويل قطاع على هذا القدر من الحساسية، إلى مجرد قبو لجيش من التافهين. لقد تحولت الصحافة دون شك بشكل درامي، منذ 2011، ولسوف تساهم سياسات عامة في تعويم المشكلة. بشكل ما، أصبح بالمقدور فعل أي شيء، ثم النجاة من عواقبه. وفي الحقيقة، فقد كان الإسلاميون، المنتفخون بصكوكهم الأخلاقية، وبالا على الإعلام بمجرد ما تسلموا الحكم في 2011. وبقدر ما حاول هؤلاء أن يظهروا مرونة قصوى إزاء عملية التواصل، فإنهم كانوا، أيضا، بصدد هدم منشآت الصحافة بالمعاول نفسها التي حملوها مدعين أن وظيفتهم هي أن ينقذوا حرية التعبير في البلاد. لقد حصلنا، بعد عشر سنوات تقريبا، على مئات من العناوين، لكننا لم نربح سوى عدد قليل من الصحافيين. وباتت الموضة هي أن تفعل ما تريد بالطريقة التي تريد، فيما كانت هيئات، أريد منها أن ترعى مصلحة مهنة، تشارك بحماس في المجزرة.

لا بأس؛ ربما هذه ليست بالمناسبة الملائمة للندب، لكن من المفيد بعض التذكير بالحقائق الواضحة. إن الصحافة مفيدة هي الأخرى، لكن عبيابة لم ير ضررا في حجبها. لم يقم بذلك بواسطة قرار، لكنه، مثل أي ديكتاتور شيوعي، كان مكتفيا بدعوة العمال إلى توقف طوعي عن العمل. عبيابة، الذي كان يغضب لنشر مقال ينتقده على صحيفة، خلد إلى نومه تلك الليلة وهو مطمئن إلى أن آلات المطابع قد توقفت عن الدوران.

إننا في وضعية عسيرة بالفعل.. الصحافة، كما تحتاج إليها بلاد ترزح تحت عبء «حرب صحية»، في طور الاضمحلال. وعبارة «تحتاج إليها» هي للتعبير عن شيء آخر غير ما تريده الجهات الرسمية. لقد كان عبيابة حريصا على تأنيب المراسلين الأجانب لأنهم ليسوا متمسكين بقواعد العمل كما يمليها عقله، أي أن يكون للصحافي مصدر واحد فقط، هو عبيابة نفسه. ولقد بلع زملاؤنا المحليون الطعم، وهم يعتقدون أن عملية حماية البلاد قد تنجح بواسطة رمي الصحافة في المزبلة مؤقتا. صدقوني، إن رميتموها الآن، فإنكم لن تعثروا عليها مجددا.

شارك برأيك