مصطفى السحيمي: تراجع الحكومة في قانون الشبكات الاجتماعية اختيار لاستراتيجية صحيحة -حوار – اليوم 24
مصطفى السحيمي
  • الصحافة

    دراسة: “الإعلام الجديد”.. لماذا استفادت الأنظمة العربية وفشلت الشعوب؟

  • يونس مسكين

    يونس مسكين يكتب: «أمنيستي».. التاريخ لا يعود أدراجه

  • يونس مسكين

    يونس مسكين يكتب: أفلسنا ولم ننجُ

سياسية

مصطفى السحيمي: تراجع الحكومة في قانون الشبكات الاجتماعية اختيار لاستراتيجية صحيحة -حوار

يقدّم أستاذ القانون الدستوري والمحلل السياسي مصطفى السحيمي في هذا الحوار، قراءته لما خلفه مشروع القانون 20ــ22 من سجالات سياسية وقانونية، انتهت بتراجع الحكومة عن عرضه، مبررة ذلك بالظرفية الخاصة التي يعيشها المغرب، أي الطوارئ الصحية.

ويعتبر السحيمي أنه ينبغي إعادة النظر في مضامين المشروع من بدايتها إلى نهايتها. “فالمصطفى الرميد قدّم ملاحظات ينبغي أخذها بعين الاعتبار، وهناك ملاحظات أخرى يجب القيام بها وإدخالها، من بينها ملاءمة هذا النص مع الالتزامات الدولية التي وقع عليها المغرب، ثم ضرورة الوصول إلى حد أدى من التناغم والانسجام بين هذا النص وبين المنظومة التشريعية للمغرب، من قبيل قانون الصحافة والنشر، والقانون الخاص بالاتصال السمعي البصري، والقوانين الخاصة بالاتصالات السلكية واللا سلكية…”.

 

كيف تحلل ما وقع بخصوص مشروع القانون الخاص بضبط مضامين الشبكات الاجتماعية في المغرب؟

من الصعب جدا أن يرى المرء في ما وقع ترجمة لسياسة مدروسة ومنسجمة. ففي تاريخ السياسات العمومية، ومنذ عقود طويلة، لا يوجد شك في أن وقفة خاصة ينبغي القيام بها في هذه الواقعة الاستثنائية. وحتى أكون موجزا، أذكّر بأن نصا تشريعيا جرى اعتماده في المجلس الحكومي الذي انعقد يوم 19 مارس الماضي، وها نحن نشاهد اليوم، كيف أن هذا النص الذي جرت المصادقة عليه رسميا في هذا الاجتماع، بات موضوع إنكار من جانب وزراء في الحكومة، فمن الذي عرضه على هذا المجلس الحكومي؟

إنه وزير الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبي في وزارة العدل، محمد بنعبد القادر، بموافقة من رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، وهو في الوقت نفسه الأمين العام لحزب العدالة والتنمية. ثم ها نحن  نتابع  كيف أن هذا المشروع استقل بذاته خارج هذا الإطار المؤسساتي، ليصبح موضوع مواقف مختلفة حد التناقض بين الوزراء، تضخّم حجمها مع تفاعلات الشبكات الاجتماعية.

ما تقصد تحديدا بحديثك؟ هل تلمح إلى تهرب الحكومة من تحمل مسؤولية المشروع؟

أقصد ألا أحد يريد تحمّل مسؤولية مشروع القانون موضوع النقاش والاعتراف بـ”أبوّته”. إنها وضعية استثنائية في ممارستنا المؤسساتية المغربية. ففي السابق كانت الخلافات ظرفية وقراءات متباينة لبعض النصوص من جانب أحزاب تشكل الأغلبية الحكومية، ورغم ذلك لم نشهد أبدا انحرافا مما نعيش، حاليا، عن قواعد ومبادئ العمل الحكومي. اليوم، ها نحن نشاهد كيف أن وزير الدولة من حزب العدالة والتنمية، المصطفى الرميد، وهو على رأس قطاع الحريات، ينشر وثيقة من عشر صفحات كان قد وجهها إلى رئيس الحكومة ويطلب منه توجيهها بدوره إلى الأمين العام للحكومة كي يقوم بمراجعة النسخة التي كان المجلس الحكومي قد صادق عليها في اجتماعه…

لكن هذا النص هو بالفعل موضوع خلافات أخرى…

هذا صحيح، وهذا أمر بات يُقال رسميا، هناك خلافات برزت أثناء انعقاد المجلس الحكومي يوم 19 مارس الماضي، وهو ما أكده رئيس الحكومة، لكن السؤال الذي يُطرح من وجهة نظر قانونية، هو هل هذا المشروع جرت المصادقة عليه من طرف المجلس أم لا؟ وإذا أردنا العودة إلى البلاغ الصادر بعد هذا المجلس، فسنجد أنه يفيد بالمصادقة على المشروع الذي عرض أمامه، وبالتالي، كان ينبغي له أن يحال على البرلمان، لأنه يندرج بشكل صريح بمجال التشريع الموكول دستوريا إلى المؤسسة البرلمانية من خلال الفصل 75 المتعلق بالحقوق والحريات الأساسية. بينما الذي حصل هو خلاف هذا، لأن هذا المشروع عينه جرى إرجاعه إلى لجنة وزارية مكونة من خمسة وزراء، ولجنة تقنية أخرى. ماذا يعني كل ذلك؟ إنه يعني أن المشروع كان يتضمن نقائص كبيرة تتطلب التصحيح والمراجعة حتى يكتسب النص الانسجام الضروري.

هل يسائل ذلك برأيك أسلوب العمل الحكومي بشكل شامل؟

بكل تأكيد، ففي المسطرة العادية هناك مراحل يقطعها كل نص قبل أن يتم اعتماده من طرف المجلس الحكومي. هنا لا يتعلق الأمر بنص يندرج ضمن المجال التنظيمي الخاص برئيس الحكومة كما يحدده الدستور في الفصل 92، إنه مشروع قانون ينبغي أن تتم إحالته على البرلمان كي يناقشه وينظر فيه. وفي جميع الأحوال يفترض أن هناك عملا جرى القيام به على مستوى الأمانة العامة للحكومة وتحت إشرافها، كما يتم الأمر عادة مع مثل هذه النصوص. هل جرى الأمر بهذه الطريقة في حالة هذا المشروع؟ الحقيقة أن الأمر جرى كما لو أن هناك حالة استعجال قصوى تتطلب المصادقة على هذا المشروع. وبالمناسبة، لا بد من تسجيل أنه أُضيف إلى جدول أعمال المجلس الحكومي الذي انعقد يوم 19 مارس، أي يوم إعلان حالة الطوارئ الصحية ولحظة اعتماد مشروع قانون بمرسوم بهذا الشأن صادق عليه البرلمان بعد يومين من ذلك التاريخ.

لكن النقاش لا يقتصر على الجوانب القانونية، بل هناك نقاش سياسي أيضا حول الموضوع؟

بالفعل، الأمر كذلك، وعلى واجهات مختلفة. فالمشروع موضوع الجدل كان محط تسريب جرى توجيه الانتقاد بشأنه إلى وزيرين من حزب العدالة والتنمية، هما كل من المصطفى الرميد ومحمد أمكراز، وذلك بناء على الاتهامات التي صدرت من داخل حزب الاتحاد الاشتراكي. من جانب آخر، ها نحن نتابع كيف تولى رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، تصحيح الوضع، من خلال تأكيده أن النسخة التي جرى تداولها ليست النسخة النهائية للمشروع، وذهب إلى درجة إبداء قدر كبير من المرونة، من خلال تأكيده أن المتابعات القضائية في الأفعال التي يتطرق إليه المشروع لن تنصب إلا على الحالات التي يثبت فيها سوء النية، وبالتالي، فإنه من المؤكد الآن أن المشروع لن يصل إلى نسخته النهائية إلا بعد تأجيله إلى أجندة بعيدة دون شك.

هذا ما ذهبت إليه الحكومة في نهاية الأمر..

نعم، هذا ما حصل، أول أمس الأحد، فوزير العدل قال إنه طلب من رئيس الحكومة تأجيل مناقشة مشروع القانون داخل اللجنة التي جرى تشكيلها لتعديله، واستبعاد ذلك إلى غاية نهاية وضعية الطوارئ الصحية وما تتطلبه من تعبئة لجميع الفاعلين. إنه تراجع محكوم باعتبارات سياسية دون شك، لكنه يعكس نقص التشاور حول هذا المشروع. في اليوم عينه لاحظنا كيف أن الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية أعلنت بعد اجتماعها الأسبوعي، مذكرة بموقفها “المبدئي” المتمثل في ضرورة أخذ المشروع بعين الاعتبار حق ممارسة الحريات التي ينص عليها الفصل 25 من الدستور. كل هذا يعني أن الحكومة فقدت السيطرة على هذا النص منذ أن صادقت عليها في اجتماع 19 مارس. واتخذ الأمر أبعادا أخرى عندما انتقل إلى الشبكات الاجتماعية ونقاشات الأحزاب، وفاض عن الإطار المؤسساتي ليصبح موضوع نقاش وطني تفوق فيه الرأي المنتصر للحقوق والحريات.

وما هي قراءتك لهذا التراجع الحكومي تجاه مضامين المشروع؟

أعتقد أن الأمر يعني أولا اختيار الاستراتيجية الصحيحة في مثل هذه الحالات، أي إننا لا نفتح جبهتين في الوقت عينه، وهنا ينبغي علينا أن نعيد قراءة ما خلفه الكاتب الصيني “سون تزو”، والذي أنتج الكثير من النظريات حول هذه الإشكالية، وذلك منذ أكثر من ألفي سنة خلت. فمن جهة، نحن أمام جبهة تعبئة وطنية في إطار مواجهة انتشاء وباء كورونا. وهذا الأمر ينبغي أن يكون في قلب المجهود الوطني الشامل بهدف تقوية التضامن الوطني والانسجام الداخلي. فهل كان مشروع القانون الخاص بضبط الشبكات الاجتماعية مستعجلا؟ لا أعتقد، فكان بإمكانه الانتظار إلى تاريخ لاحق، أي بعد نهاية الحجر الصحي والعودة إلى الحياة الاجتماعية الطبيعية. لكن الأمر يستدعي في الحقيقة الوقوف عند الوضعية الحالية للأغلبية الحكومية، لأن السؤال بات عريضا حول التضامن والتنسيق الجماعي الذي يتحدث عنه الميثاق الموقع من طرف مكوناتها في فبراير 2018. لماذا تعجز هذه الحكومة عن تحقيق حد أدنى من الانسجام الداخلي، والذي يمكنه أن يؤتي ثماره وينعكس على النصوص التي تنتجها وعلى السياسات العمومية؟ فهذه الانقسامات التي تقع في واضحة النهار، تُعتبر معيقة للجميع، وخاصة لرئيس الحكومة الذي لا يستطيع، حسب ما يبدو، ممارسة جميع صلاحياته بما فيها صلاحيات التحكيم وحسم القرارات. وبالتالي يصبح التساؤل مشروعا حول قدرة هذه الحكومة على الاستمرار إلى غاية 2021.

ماذا عن مضامين المشروع؟ وما هي قراءتك؟

ينبغي إعادة النظر في هذه المضامين من بدايتها إلى نهايتها بدون أدنى شك. فالمصطفى الرميد قدّم ملاحظات ينبغي أخذها بعين الاعتبار، وهناك ملاحظات أخرى يجب القيام بها وإدخالها، من بينها ملاءمة هذا النص مع الالتزامات الدولية التي وقع عليها المغرب، ثم ضرورة الوصول إلى حد أدى من التناغم والانسجام بين هذا النص وبين المنظومة التشريعية للمغرب، من قبيل قانون الصحافة والنشر، والقانون الخاص بالاتصال السمعي البصري، والقوانين الخاصة بالاتصالات السلكية واللا سلكية… هناك تصحيحات يجب القيام بها، أيضا، في علاقة بالقانون الجنائي، حيث لا يمكن أن نجد الفعل عينه بعقوبتين مختلفتين، مثل الأفعال المرتبطة بالقذف ونشر الأخبار الزائفة… أما ما يتعلق بالتحريض على مقاطعة بعض المنتجات، فإن العناصر المكونة للجريمة يجب أن تُدقق، وينبغي أن ننتبه بهذا الخصوص إلى أن القوانين الانتخابية المغربية، لا تعتبر الدعوة إلى المقاطعة فعلا مجرما…

هل يمكن، بالتالي، تجريم المقاطعة الاقتصادية والتجارية؟

أعتقد أننا في المغرب لا نتوفر على تشريعات خاصة تجرم الدعوة إلى المقاطعة، سواء منها الانتخابية أو الاقتصادية أو التجارية. الأمر عينه ينطبق على التشريعات الفرنسي التي لا تتضمن مثل هذا التجريم. النص الوحيد الذي يقترب من هذا الموضوع، هو القانون 17-97 الخاص بحماية الملكية الصناعية. أما على المستوى الجنائي، فإن مثل هذا الفعل لا يمكن أن يكون موضوع تجريم إلا إذا كان صادرا من جانب منافسين يقفون وراء إطلاق حملات المقاطعة ضد منتوجات خصومهم. وهنا لا يمكن التعاطي مع الأمر جنائيا لأنه عبارة عن فعل مدني، وبالتالي، يجب أن تتم معالجته من خلال التعويض عن الأضرار الناجمة عن مثل هذا الفعل المقصود.

ماذا عن الشبكات الاجتماعية، هل يجب ضبطها ومعاقبة استعمالها لنشر الأخبار الزائفة؟

نعم، ينبغي أن نحمي أنفسنا من مجال قد يسمح بتنامي الخطاب الشعبوي عبر استعمال وسائل رقمية والشبكات الاجتماعية، حيث يمكن قول أي شيء عن أي كان. لا بد من حماية الحقوق والحريات، لكن عبر القانون. الوضع الحالي معقد ومتداخل، حيث إن هناك فراغا قانونيا وثغرة في الدستور. ففي الفصل 25 من الوثيقة الدستورية، نجد التنصيص على ضمان حريات التفكير والرأي والتعبير في جميع أشكالها. إنها مبادئ مطلقة كان ينبغي أن نضيف إليها ضرورة ممارسة هذه الحريات في إطار نصوص وأنظمة ينص عليها القانون. لا شك أن هناك طابقا ينبغي أن يربط بين المستويين، أي المبادئ الدستورية والتشريعات الخاصة بهذه المجالات. فهذا سيسمح من بين أهداف أخرى، بإدماج المقاطعة والأخبار الزائفة، إما ضمن المقتضيات الخاصة بحماية النظام العام الاقتصادي، أو النظام العام بصحة عامة.

شارك برأيك

عبد الغفور

كل هذه الزوبعة مردها إلى شيء واحد و هو الحفاظ على المصالح الشخصية و التستر على الانحرافات و الجرائم. هناك مغاربة كثيرون يقاطعون بدون أن يدعوهم أي أحد للمقاطعة بما فيها الانتخابات. لا يصدقون وسائل الإعلام الرسمية و لا خطابات المسؤولين. الأخبار يتم تداولها بين الناس من خلال الهاتف العربي، و كما نقول ديرها غير زوينة توصل توصل. هؤلاء الحمقى يستخفون من الناس و لا يريدون أن تنكشف عورتهم و يعرف المواطنون كم هم لصوص و نصابون و غشاشون و منحرفون أخلاقيا. لهذا يخافون من أن تنشر فضائحهم و أسرارهم على شبكات التواصل أو يتم ضرب جيوبهم كما يضربون جيوب المستهلكين. هذا كل ما في الأمر. لو لم يكن لديهم ما يخافون منه و كان لهم ضمير حي، لما احتاجوا لمثل هذه القوانين الظلامية. لهذا نحن مقاطعون لأن إمكانياتنا محدودة و لأن المشهد السياسي موبوء و فاشل و لأن الإعلام متلمق و منافق، و حسبنا الله و نعم الوكيل؟

إضافة رد