إسماعيل حمودي يكتب: لنغير سلوكنا – اليوم 24
اسماعيل الحمودي
  • اسماعيل الحمودي

    إسماعيل حمودي يكتب: حدث ثقيل

  • اسماعيل الحمودي

    إسماعيل حمودي يكتب: غول المدارس الخاصة

  • اسماعيل الحمودي

    إسماعيل حمودي يكتب: مقترح وجيه

الرأي

إسماعيل حمودي يكتب: لنغير سلوكنا

«لنغير سلوكنا».. إنه النداء الذي لطالما ردّدته علينا قنوات الإعلام العمومي، لحث المواطنين على تغيير سلوكاتهم في الطرق العمومية، طلبا للسلامة من حوادث السير. هذا النداء يحتاج إليه المواطن المغربي خلال الفترة المقبلة، ليس من أجل تجنب حوادث السير، بل من أجل مساعدة السلطات العمومية على التغلب على وباء كورونا، خلال مراحل رفع الحجر الصحي بعد 20 ماي الجاري، إذا نحن أردنا تثمين المكتسبات للتقدم إلى الأمام بدل العودة إلى الخلف.

تبدو المقاربات المطروحة للخروج من حالة الحجر الصحي عديدة، كل دولة تصوغ الاستراتيجية التي تناسبها بناء على معطياتها الخاصة، وبناء على الحقائق العلمية المتوصل إليها بخصوص خطورة الفيروس، لكن يبدو أن تغيير السلوك الإنساني، وبالأساس تغيير نمط الحياة، من خلال الاقتناع العميق بأن نمط حياتنا قبل الفيروس يجب ألا يستمر، كما كان عليه، بعده، هو المدخل الأفضل للتغلب على الجائحة، والحد من سطوتها على الأرواح والاقتصاد.

تنطلق مقاربة «التعايش مع الفيروس» من خلال تغيير نمط الحياة من بعض المعطيات المتفق عليها حتى الآن، منها غياب لقاح يقضي على الفيروس، وهو اللقاح الذي قد يتطلب تحضيره عاما على الأقل، فيما لا يمكن أن تظل الدول تحت الحجر الصحي أكثر من شهر أو شهرين إضافيين على الأكثر، وإلا كان المآل هو «الانهيار»، كما صرّح بذلك الوزير الأول الفرنسي، إدوارد فيليب، يوم الثلاثاء الماضي، أمام برلمانيي الجمعية الوطنية لبلاده، علما أن الأمر يتعلق بدولة كبرى هي فرنسا، سادس أقوى اقتصاد في العالم.

غياب اللقاح معناه إمكانية عودة الفيروس في موجة ثانية، سواء بسبب خلل ما في تطبيق وتنزيل إجراءات رفع الحجر الصحي، أو بسبب المناخ، كما يقول البعض، خصوصا في الخريف المقبل. إن منع عودة الفيروس هو ما يدفع الهيئات الصحية في العالم إلى التشدد في رفع الحجر الصحي دون بلوغ معدل التكاثر الرياضي (R0) للفيروس أقل من 1 في المائة على مدى زمني يتعدى أسبوعين على الأقل، وهو موقف منطقي، لأنه لا معنى لرفع الحجر بما يؤدي إلى المس بالمكتسبات المحققة طيلة شهرين من الحجر الصحي.

أما المعطى الثالث الذي يجعل من مقاربة التعايش مع الفيروس من خلال تغيير نمط الحياة مدخلا مناسبا، فهو أن نسبة 80 في المائة من المصابين حاملي الفيروس قد لا تظهر أعراضه عليهم، ما يجعلهم مصدر تهديد للمواطنين الآخرين، الذين قد يكونون أقل مناعة منهم، ما يعرض حياتهم للخطر. وهو معطى لا شك أنه يصعب التحكم فيه، اللهم إذا قررت الحكومة المغربية إجراء فحص شامل للسكان، وهو الخيار الذي لا يبدو أن وزارة الصحة مستعدة لتنفيذه، خلال الفترة المقبلة على الأقل.

إذن، في انتظار اللقاح، ومن أجل تحصين المكتسبات التي حققتها بلادنا خلال الفترة الماضية، لا مناص للمواطنين من تغيير سلوكهم، على أساس قواعد متفق عليها، أبرزها قاعدة الوقاية. صحيح أن الوقاية مهمة تقع على عاتق السلطات العمومية، من خلال الاستمرار في فرض بعض الإجراءات مثل التباعد الاجتماعي، والكمامة، وعزل المصابين ومخالطيهم، لكنها مهمة تقع بالدرجة الأولى على عاتق المواطنين، لأن السلطات لا يمكنها أن تراقب كل فرد على حدة، ولا يمكن أن تعتقل كل الناس بمبرر خرق إجراءات الحجر الصحي. إن الوقاية تقوم أساسا على قناعة الأفراد بأن النجاة من الفيروس تتطلب الاقتناع العميق بضرورة تغيير قواعد السلوك، في اتجاه التعامل مع الفيروس باعتباره خطرا داهما في كل لحظة وحين، ما مع يتطلبه ذلك من واجب الحيطة والحذر.

ولعل واجب الحيطة والحذر هذا يتطلب الاقتناع العميق مرة أخرى بأن المصافحة والعناق ينبغي أن يصبحا سلوكا من الماضي، مع الاستمرار في ارتداء الكمامات في وسائل النقل، وفي مقرات العمل والتسوق، وفي كل الفضاءات العمومية، وأن يحرص الناس على مسافة الأمان بينهم، والخضوع للعزل الصحي كلما شك الفرد في كونه حاملا للفيروس وظهرت عليه أحد أعراضه.

إذا لم نغير سلوكنا لن تفلح جميع المقاربات الأخرى في الحد من الوباء. لقد نجح المغرب في السيطرة على الفيروس، ليس لأن السلطات العمومية تمتلك إمكانات أفضل من تلك التي لدى فرنسا أو بريطانيا، ولكن لأن المواطنين اقتنعوا بأن الطريق الأسلم للحد من الخسائر في الأرواح يمر عبر التخلق بأخلاق ما بعد كورونا، دون أن ننكر جهود الحكومة والسلطات العمومية في تبني إجراءات فعالة ساعدت على تحقيق النتائج التي ينوه بها الجميع داخل المغرب وخارجه. قال الله تعالى: «إن الله لا يغيّر ما بقوم، حتى يغيّروا ما بأنفسهم».

 

شارك برأيك