فسحة رمضان على “أخبار اليوم”.. نغوغي واثيونغو.. الديمقراطية الحقيقية تهديد لدولة الاستعمار الجديد –الحلقة 11 – اليوم 24
نغوغي واثيونغو
  • محمد جليد

    محمد جليد يكتب: ما الذي يجري في مستشفياتنا؟

  • محمد جليد

    محمد جليد يكتب: عدنان والآخرون.. ضحايا من؟

  • محمد جليد

    محمد جليد يكتب: تذكير للتلفزيون المغربي!

فسحة رمضان

فسحة رمضان على “أخبار اليوم”.. نغوغي واثيونغو.. الديمقراطية الحقيقية تهديد لدولة الاستعمار الجديد –الحلقة 11

“نغوغي واثيونغو”، الكيني، هو واحد من أبرز أدباء إفريقيا اليوم، إلى جانب النيجيريين وولي شوينكا وتشنوا أتشيبي، وهو مرشح دائم لجائزة نوبل للآداب. تشهد كتاباته المختلفة والمتنوعة، في الرواية والمسرح والنقد الأدبي، على انتصاره للقارة السمراء وإنسانها المستضعف وهوياتها المهمشة وثقافاتها المهملَة. في هذا الكتاب: “تفكيك استعمار العقل”، يدافع “واثيونغو”، بالتزام وشغف كبيرين، عن فكرة استعمال اللغات والأسماء الإفريقية في الفكر والأدب والسياسة وتخليص أشكال التعبير وأنماط الحياة من مخلفات الاستعمار، حتى تتفكك أنظمة الإمبريالية ويتحقق الاستقلال الكامل.

أومن أن كِتابتي بلغة الـ”جيكويو”، وهي لغة كينية، لغة إفريقية، تمثل جزءا لا يتجزأ من كفاحات الشعوب الكينية الإفريقية ضد الإمبريالية. ففي المدارس والجامعات، قُرنت لغاتنا الكينية- أي لغات القوميات العديدة التي تتألف منها كينيا- بصفات التخلف والتأخر والذل والعقاب السلبية. وكان يفترض منها، نحن الذين اختبرنا ذلك النظام المدرسي، أن نتخرج وفي قلوبنا غلّ للشعب والثقاة وقيم لغة ذلنا وعقابنا اليوميين. لا أريد أن الطفل الكيني أن ينشأ على ذلك الإرث الذي فرضه الإمبريالي، إرث ازدراء وسائل التواصل التي طورتها المجتمعات وتاريخها. بل أريده أن يتعالى على الاستلاب الاستعماري.

يتخذ الاستلاب الاستعماري شكلين مترابطين: أولهما استبعاد فاعل (أو منفعل) للمرء عن الواقع المحيط به؛ وثانيهما تماهٍ فاعل (أو منفعل) مع ذلك الخارج تماما عن بيئة المرء. يبدأ الأمر بقطع متعمد لصلة لغة التصور والتفكير والتربية الرسمية والتطور الذهني بلغة التفاعل اليومي داخل البيت والمجتمع. والأمر أشبه بفصل العقل عن الجسم، حتى يشغلا مجالين لغويين غير مترابطين عند الشخص الواحد. وعلى نطاق اجتماعي أوسع، يصير الأمر أشبه بإنتاج مجتمع بلا رؤوس ورؤوس بلا أجساد.

من هنا، أود أن أساهم في ترميم الانسجام بين جميع خصائص اللغة وأقسامها كي يرجع الطفل الكيني إلى بيئته، ويفهمها جيدا حتى يحتل موقعا يسمح له بتغييره من أجل الصالح العام. أريد أن أرى اللغات الأم لشعوب كينيا (لغاتنا الوطنية!) تحمل أدبا لا يعكس إيقاعات التعبير المنطوق عند الطفل فحسب، بل كذلك صراعه مع الطبيعة وطبيعته الاجتماعية. إذ يمكنه، بذلك الانسجام بينه وبين لغته وبيئته كنقطة انطلاقه، أن يتعلم لغات أخرى، بل ويتمتع بالعناصر الإنسانية والديمقراطية والثورية الإيجابية في آداب وثقافات الشعوب الأخرى دون أي عقد نقص تجاه لغته وذاته وبيئته الخاصة. فاللغة الوطنية الأم (أي الكيسواحيلي) واللغات الوطنية الأخرى (لغات القوميات مثل اللوو، الجيكويو، الماسي، اللوهيا، الكالينجين، الكامبا، الميجيكيندا، الصومالية، الغالا، التوركانا، الناطقون بالعربية، إلخ) واللغات الإفريقية الأخرى، مثل الهاوسا، الوولوف، اليوروبا، الإيبو، الزولو، النيونجا، اللينغالا والكيمبوندو، واللغات الأجنبية- أي الغريبة عن إفريقيا- مثل الإنجليزية، الفرنسية، الألمانية، الروسية، الصينية، اليابانية، البرتغالية، الإسبانية، كلها ستحتل المكانة الخاصة بها في حيوات الأطفال الكينيين.

استنكر “تشينوا أتشيبي” ميل المثقفين الأفارقة إلى الهروب إلى نزعة كونية مجردة، بكلمات تنطبق أكثر على موضوع لغة الأدب الإفريقية: “عاشت إفريقيا قدرا خاصا في العالم حتى إن نعت ‘إفريقي’ يمكن أن يستثير مخاوف رفض شنيعة. والأفضل للمرء أن يقطع جميع الصلات بهذا الوطن، بهذا الميل، وأن يصبح الرجل الكوني بخطة عملاقة واحدة. أتفهم هذا القلق بالطبع. لكن الهروب من الذات يبدو لي طريقا غير كافٍ لمعالجة هذا القلق. وإذا اختار الكتاب هذه النزعة الهروبية، فمن سيواجه التحدي؟

من حقا؟

نحن الكتاب الأفارقة ملزمون، بصفاتنا، بأن نقدم للغاتنا ما قدمه “سبانسر” و”ميلتون” و”شكسبير” للإنجليزية، وما قدمه “بوشكين” و”تولستوي” للروسية. بالفعل، فما قدمه كل الكتاب في التاريخ العالمي للغاتهم، وهم يواجهون تحدي إبداع الأدب بها، وهو أمر يتطور في وقت لاحق، يفتح اللغات على الفلسفة والعلم والتكنولوجيا وجميع المجالات الأخرى في المساعي الإبداعية الإنسانية.

لكن الكتابة بلغاتنا في حد ذاتها، وإن كانت خطوة ضرورية أولى في الاتجاه الصحيح، لن تحدث نفسها النهضة في الثقافات الإفريقية إذا كان ذلك الأدب لا يحمل محتوى صراعات الشعوب ضد الإمبريالية الرامية إلى تحرير قواها الإنتاجية من المراقبة الأجنبية، محتوى الحاجة إلى الوحدة بين العمال والمزارعين من كل القوميات في نضالهم من أجل مراقبة الثروة التي ينتجونها وتحريرها من الطفيليات الداخلية والخارجية.

بعبارة أخرى، على الكتاب الأفارقة أن يجددوا صلتهم بالتقاليد الثورية الخاصة بطبقة منظمة من المزارعين والعمال في إفريقيا في صراعهم من أجل هزم الإمبريالية وخلق نظام أعلى من الديمقراطية والاشتراكية بالتحالف مع جميع الشعوب الأخرى في العالم. فالوحدة في ذلك الصراع ستضمن الوحدة في تنوعنا اللغوي المتعدد. ستكشف، كذلك، الروابط التي تصل شعب إفريقيا بشعوب آسيا وأمريكا الجنوبية وأوروبا وأستراليا ونيوزيلندا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية.

لكن الكُتاب لن يواجهوا تحديهم الأكبر بالأحرى، إلا عندما سيشرعون لغاتهم الإفريقية على الروابط الحقيقية بنضالات المزارعين والعمال. بالنسبة إلى للأنظمة الحاكمة الوكيلة، فإن عدوها الحقيقي يتجسد في وجود طبقة مزارعين وعمال يقظة. إذ يصبح الكاتب الذي يحاول تبليغ رسالة وأمل الوحدة الثورية بلغات شعبه شخصا هداما. وحينئذ تغدو الكتابة باللغات الإفريقية جريمة من جرائم التخريب أو الخيانة قد تجعل الكاتب يواجه احتمالات السجن أو النفي أو حتى الموت. ولن يحصل على أي أوسمة “وطنية”، ولا تشريفات بمناسبة السنة الجديدة، ولن يتلقى إلا سبابا وتشهيرا وأكاذيب لا تُحصى من أفواه القوة المسلحة للأقلية الحاكمة- أي الحاكمة نيابة عن الإمبريالية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية- التي ترى في الديمقراطية تهديدا حقيقيا. ذلك أن أي مشاركة ديمقراطية للشعب في تشكيل حياته أو في مناقشة حياته باللغات التي تسمح بالتفاهم المتبادل ينظر إليها باعتبارها خطرا على الحكم الجيد للبلد والمؤسسات. وتصبح اللغات الإفريقية التي توجه نفسها نحو حيوات الشعب عدوا لدولة الاستعمار الجديد.

شارك برأيك