“نغوغي واثيونغو”: المسرح.. خشبة الصراع ضد الكولونيالية أيضا –الحلقة 15 – اليوم 24
نغوغي واثيونغو
  • محمد جليد

    محمد جليد يكتب: ما الذي يجري في مستشفياتنا؟

  • محمد جليد

    محمد جليد يكتب: عدنان والآخرون.. ضحايا من؟

  • محمد جليد

    محمد جليد يكتب: تذكير للتلفزيون المغربي!

فسحة رمضان

“نغوغي واثيونغو”: المسرح.. خشبة الصراع ضد الكولونيالية أيضا –الحلقة 15

“نغوغي واثيونغو”، الكيني، هو واحد من أبرز أدباء إفريقيا اليوم، إلى جانب النيجيريين وولي شوينكا وتشنوا أتشيبي، وهو مرشح دائم لجائزة نوبل للآداب. تشهد كتاباته المختلفة والمتنوعة، في الرواية والمسرح والنقد الأدبي، على انتصاره للقارة السمراء وإنسانها المستضعف وهوياتها المهمشة وثقافاتها المهملَة. في هذا الكتاب: “تفكيك استعمار العقل”، يدافع “واثيونغو”، بالتزام وشغف كبيرين، عن فكرة استعمال اللغات والأسماء الإفريقية في الفكر والأدب والسياسة وتخليص أشكال التعبير وأنماط الحياة من مخلفات الاستعمار، حتى تتفكك أنظمة الإمبريالية ويتحقق الاستقلال الكامل.

 

شجع النظام الاستعماري المسرح الإذاعي بمشاركة الإفريقي مُهرّجا. ولو أمكن أن يجعل الإفريقي يضحك من غبائه وبساطته، لنسي ربما أمر الـ”ماو ماو” هذه، والحرية، وغير ذلك. وقد تألف مسرح المهرج الأبله من “كيبانغا” وبعض الكوميديين الأفارقة الآخرين.

ومع الاستقلال، التحق المزيد من الخريجين بالمدارس والجامعات، فحدثت ثورة تدريجية رغم أنه ظل، على نطاق واسع، حبيس جدران المدرسة الأربعة، والقاعة الاجتماعية، والمبنى الجامعي، وكذا في حدود اللغة الإنجليزية. وتعود جذور ثورة البورجوازية الصغيرة في مجال المسرح إلى الخمسينيات، مع ثانوية “أليانس”، و”ثيكا”، و”مانغو”، و”كاغومو” ومدارس بارز أخرى أنتجت مسرحا مقاوما لتراث شكسبير و”ج. بـ. شاو”، بنصوص خاصة بها مكتوبة بالـ”كيسواحيلي”. إذ ثانوية “أليانس” تقديم مسرحية “ناكوبيندا لاكيني” لـ”هنري كوريا” (الذي كان كذلك منظما لمهرجان الموسيقى في مدينة “كيامبو”) (1954)، و”مايشا ني نيني” لـ”كيماني نيويكي” (1955)، و”نيميلوغوا نيسيوي نا مبانزي” لـ”غيريشن نغوغي” (1956)، و”أتاكيوا نا بوليسي” لـ”بـ. م. كوروتو” (1957) التي انتهت كلها إلى أن تعرض في قاعة “مينينغي” الاجتماعية في “ناكورو”، قلب الاستيطان.

لكن كان لثورات الستينيات وبداية السبعينيات نكهة قومية أكبر. إذ برز كتاب مسرحيون كينيون (أمثال “فرنسيس إمبوغو”، “كينيث واتيني”، “كيبوانا” و”ميسيري موغو”) ومخرجون كينيون (أمثال “سيث أداغالا”، “تيروس غاثوي”، وايغوا واشييرا”، و”ديفيد مولوا”) ضمن دائرة من الممثلين المتحلقين حول إذاعة وتلفزيون صوت كينيا ومسرح كينيا الوطني والجامعة. وقد آزر كتاب ومخرجون مسرحيون أفارقة بارزون من دول أخرى، مثل “جون روغاندا” و”جو دو غرافت” اللذين كانا بالجامعة، نظراءهم الكينيين. فبرزت فرق مسرح الهواة، تألق بعضها ليوم واحد فقط، لكن قلة منها، مثل “مسرحيي الجامعة” وفرق المؤلف المسرحي “مومبي وا ماينا”، الموسومة بـ”مسرحيي تامادوني”، استمرت فترة أطول. كان “مسرحيو تامادوني” الأكثر انسجاما فيما يتعلق بانتظام إنتاجاتهم وبحثهم المتواصل عما يناسب تجربتهم، واحترافيتهم العالية.

اتخذت الثورة أشكالا متعددة؛ ومنها تأييد البورجوازي الإفريقي الصغير الصرف كتابة المسرحيات وإخراجها وتمثيلها. كما اتخذت شكل محتوى قومي وطني يناهض الاستعمار والإمبريالية بشكل متزايد في المسرحيات. لربما يتجسد هذا التيار بشكل أفضل في مسرحية “ميسيري موغو و”نغوغي واثيونغو” الموسومة بـ”محاكمة ديدان كيماثي” التي شخصتها فرقة مسرح “فيستاك 77” الكينية. واتخذت، أيضا، شكل نقد لاذع للوضع الداخلي، كما في مسرحية “فرنسيس إمبوغو” “خيانة في المدينة”، التي شخصتها الفرقة نفسها في نيروبي ولاغوس.

غير أن الثورة الأكبر تمثلت في الإشراف على مسرح كينيا الوطني، الذي شيد في الخمسينيات وهيمن عليه كليةً المخرجون البريطانيون وفرق الهواة البريطانية. إذ ظل في عهدة الجالية البريطانية حتى بعدما صار لكينيا نشيدها وعلمها الوطنيين سنة 1963. إذ كان يسيره كلية مجلس متحكم من الجالية، مع احتفاظ المجلس البريطاني على تمثيلية فيه طيلة عدة سنوات بعد الاستقلال. كان هناك احتجاج ضد هذه الهيمنة، من البورجوازية الصغيرة الكينية المتمركزة حول الجامعة، تدعمها قلة من الصحافيين الوطنيين الذين دعوا إلى كَنْيَنَة الإدارة والمجلس. واستنكر بيان أصدرته هيئة شعبة الأدب سنة 1970 المركز الثقافي الكيني باعتباره محطة خدمات للمصالح الأجنبية، بيان كان، كذلك، بمثابة انعكاس ثقافي للاستياء المتزايد من الهيمنة الاقتصادية والسياسية للمصالح الأجنبية في البلد برمته. وتضمن دعوة إلى إتاحة أيام وأسابيع إضافية للمسرح الإفريقي. بلغ النقاش المحتدم ذروته بأحداث عنف عرقي وقعت سنة 1976، عندما أدمى ممثل أسود أنف سيدة بيضاء مهاجرة بعدما نعتته باللقيط الأسود. حلت الشرطة بالمكان، لكنها لم تستطع تمييز الوجوه الإفريقية أثناء استعراضها من أجل التعرف على الفاعل. وقد استدعينا أنا و”سيث أداغالا”، مدير الفرقة المسرحية “فيستاك 77” الكينية، في وقت لاحق، إلى مقر مديرية التحقيقات الجنائية بعد شكاوى رؤساء فرق الهواة الأوربية تزعم أننا نعرقل نجاح مقاولاتهم المسرحية، وهي شكاوى لم تكن صحيحة على ما يبدو. لكن الصراع اتخذ، كذلك، شكل نقاش حول المسألة برمتها، أي المفهوم وتشكيل مسرح وطني؟ هل كان مجرد بناية؟ أم هو الموقع؟ أم نوع المسرحيات المقدمة هناك؟ أم يتجلى ببساطة في لون بشرة المخرج والطاقم الإداري؟

اختارت بعض الفرق مباني أخرى. إذ شهد مسرح الجامعة، وهو، أساسا، مدرج محاضرات تربوية ذو خشبة عريضة، لكنها ليست داكنة، تقع على المستوى عينه من صف الجمهور الأول، سلسلة واسعة من النتاجات التجريبية، خاصة في النصف الثاني من السبعينيات. لقد غدا المسرح التربوي الثاني، كما سمي رسميا، بديلا لمسرح كينيا الوطني والمركز الثقافي اللذين كانت تملكهما الحكومة، لكن يسيرهما الأجانب. وعرضت فرقة “تامادوني” وفرق أخرى مسرحيات مجددة، الواحدة تلو الأخرى، تحت إشراف “مومبي وا ماينا”، الذي لا يكل ومخرجين آخرين.

شارك برأيك