فسحة رمضان على “أخبار اليوم”.. الإمبريالية تعرقل تطور المسرح الإفريقي الحر -الحلقة 16 – اليوم 24
نغوغي واثيونغو
  • محمد جليد

    محمد جليد يكتب: ما الذي يجري في مستشفياتنا؟

  • محمد جليد

    محمد جليد يكتب: عدنان والآخرون.. ضحايا من؟

  • محمد جليد

    محمد جليد يكتب: تذكير للتلفزيون المغربي!

فسحة رمضان

فسحة رمضان على “أخبار اليوم”.. الإمبريالية تعرقل تطور المسرح الإفريقي الحر -الحلقة 16

“نغوغي واثيونغو”، الكيني، هو واحد من أبرز أدباء إفريقيا اليوم، إلى جانب النيجيريين وولي شوينكا وتشنوا أتشيبي، وهو مرشح دائم لجائزة نوبل للآداب. تشهد كتاباته المختلفة والمتنوعة، في الرواية والمسرح والنقد الأدبي، على انتصاره للقارة السمراء وإنسانها المستضعف وهوياتها المهمشة وثقافاتها المهملَة. في هذا الكتاب: “تفكيك استعمار العقل”، يدافع “واثيونغو”، بالتزام وشغف كبيرين، عن فكرة استعمال اللغات والأسماء الإفريقية في الفكر والأدب والسياسة وتخليص أشكال التعبير وأنماط الحياة من مخلفات الاستعمار، حتى تتفكك أنظمة الإمبريالية ويتحقق الاستقلال الكامل.

صار الآن تسيير مهرجان مسرح المدارس، الذي كان في السابق بأيدي طاقم الموظفين الأجانب في وزارة التربية، يخضع لإشراف أول مسؤول عن الدراما والأدب الإفريقي الكيني، وهو السيد “واسامبو ويري”. وعلى امتداد سنوات المهرجان، الذي أمسى يضم الآن مهرجانا منفصلا، لكن موازيا لكليات تكوين الأساتذة، غدا قوميا أكثر فأكثر في محتواه، بما أن المزيد من خريجي جامعة نيروبي التحقوا بفرق مختلف المدارس وأتوا باتجاه جديد في المسرح. وانفصل المهرجان، في عهد المسؤول الجديد، انفصالا جذريا عن الماضي. إذ سينتقل المهرجان من مركزه السنوي في مسرح كينيا الوطني إلى موضع في “كاكاميغا”، في مكان غير مألوف في الريف. ثم يدور في المحافظات، ليجول البلاد بالمسرحيات النهائية الفائزة. وتغيرت لغة المسرحيات بعدما أخذت الـ”كيسواحيلي”، باعتبارها القناة الأساسية للتعبير المسرحي، تستبعد اللغة الإنجليزية.

وبدأت شعبة الأدب في جامعة نيروبي مسرحها الجائل الحر الخاص. إذ طاف الطلاب على المراكز والمدارس الإقليمية الحضرية والقروية وسط تصفيق الآلاف. وتشكلت فرق مسرحية جائلة صغيرة في المدارس والكليات. وجرى التوكيد منذ بداية السبعينيات إلى أواسطها، على أن يكون المسرح موجها للشعب.

يتضح الآن، حين ينظر المرء إلى الوراء، أن المسرح الكيني في بداية السبعينيات كان يحاول أن ينفصل عن التقليد الاستعماري الإمبريالي الذي تمثلت رموزه في مسرح كينيا الوطني الذي تهيمن عليه أوروبا (وإن سانده النظام الحاكم)، ومسرح ‘دونوفان مول’ في نيروبي ومراكز مماثلة أخرى في المدن الرئيسة.

أما عائقه الرئيس، فظل يتمثل في قاعدته المتكونة من البورجوازية الصغيرة في المدارس والكليات الجامعية، التي جاء منها أغلب ممثليه ومخرجيه ونصوصه. فضلا عن هذا، كان مقيدا بالتقليد الاستعماري نفسه، الذي كان يحاول القطع معه. إذ ظلت الإنجليزية مقبولة باعتبارها القناة الأساسية للتمرد وتأكيد الذات. ذلك أن النصوص الأصيلة، حتى أكثرها تجذرا، غالبا ما كُتبت من وجهة نظر البورجوازية الصغيرة. وظل المسرح حبيس الجدران. وحيث حاول القطع مع حدود الجدران المغلقة وستائر بناية مسرح رسمية وينطلق إلى القاعات الإقليمية الحضرية والقروية، كان الافتراض السائد هو أن يؤخذ المسرح إلى الشعب، حيث كان ينبغي أن يمنح الناس مذاق كنوز المسرح. لم يكن للشعب عهد بتقاليد المسرح. فتمثل الافتراض القائل بضرورة تقديم المسرح للشعب، بالطبع، في مجاراة وهم الحكومة بأن الشعب موجود ليمنح التنمية على الخصوص إذا أحسن السلوك.

لكن الإمبريالية هي التي أوقفت التطور الحر لتقاليد المسرحية الوطنية المتجذرة في ممارسات المزارعين الطقوسية والاحتفالية. فلا يمكن أن توجد لغة المسرح الإفريقي الحقيقية إلا بين الناس- المزارعين خصوصا- في حياتهم وتاريخهم وكفاحاتهم.

V

لم تكن “كاميريثو” تمثل وقتئذ مروقا، بل محاولة لإعادة الاتصال بالجذور المقطوعة للحضارة الإفريقية وتقاليدها المسرحية. كانت “كاميريثو”، بموقعها في قرية تدخل ضمن نوع الطبقات الاجتماعية الموصوفة أعلاه، تقدم الجواب عن سؤال الجوهر الحقيقي للمسرح الوطني. ذلك أن المسرح ليس بناية. فالناس يبدعون المسرح، حيث أن حياتهم هي عينها مادة المسرح. وبالفعل، فقد وصلت “كاميريثو” نفسها بالتقليد الوطني للفضاء الفارغ واللغة والمحتوى والشكل.

لقد فرضت الحاجةُ الأمرَ. فعلى سبيل المثال، كان هناك فضاء فارغ قائم في “كاميريثو”. إذ الفدادين الأربعة المخصصة لمركز الشباب في ذلك الوقت، أي سنة 1977، مجرد ثكنة ذات أسوار طينية متداعية، وهي مكونة من أربع غرف استعملناها لمحو أمية الكبار. والباقي عشبٌ، لا غير. وكان مزارعو القرية وعمالها هم من بنوا الخشبة، وهي مجرد منصة مرتفعة شبه دائرية يسندها جدار قصبي شبه جداري، بني خلفه بيت من ثلاث غرف قام مقام المخزن وغرفة تغيير الملابس. وكادت الخشبة وقاعة الجمهور- وهي عبارة عن مقاعد خشبية طويلة مثبتة ومرتبة مثل أدراج- تكونان امتدادا الواحدة للثانية. لم يكن لهما سقف. بل مسرح هواء طلق، ذي فضاءات واسعة فارغة محيطة بالخشبة والقاعة. ولم يكن تدفق الممثلين والناس بين القاعة والخشبة، وحول الخشبة والمسرح برمته، ممنوعا. خلف القاعة انتصبت بعض أشجار الأُكالبتوس الباسقة. وكان بمقدور الطيور أن تتفرج على العروض من هذه الأشجار أو من أعلى سياج قصب البامبو الخارجي. ففي عرض من العروض، خطرت ببال بعض الممثلين، غير المتدربين، فكرة تسلق الأشجار والمشاركة في الغناء من هناك. ولم يكونوا يمثلون فقط، أمام الجالسين أمامهم، بل أمام كل من صار بمقدوره الآن أن يراهم ويسمعهم- غدت القرية برمتها، البالغ عددها 10 آلاف نسمة، جمهورا يشاهدهم وينصت إليهم.

لقد فرضت الحاجةُ حلا لمسألة اللغة بأفكار الناس المرسلة على البديهة. لقد طلب منا، أنا و”نغوغي وا ميري” أن نكتب الخطوط الأولية لنص مسرحية عُنونت في وقت لاحق بـ”نغاهيكا نديندا” (سأتزوج متى أشاء). فطرحنا السؤال: أي لغة سنستخدم؟.

شارك برأيك