فسحة رمضان على “أخبار اليوم”.. هل يستطيع الاستعمار الجديد إجهاض المشروع الثقافي الإفريقي الجديد؟ -الحلقة 17 – اليوم 24
نغوغي واثيونغو
  • محمد جليد

    محمد جليد يكتب: ما الذي يجري في مستشفياتنا؟

  • محمد جليد

    محمد جليد يكتب: عدنان والآخرون.. ضحايا من؟

  • محمد جليد

    محمد جليد يكتب: تذكير للتلفزيون المغربي!

فسحة رمضان

فسحة رمضان على “أخبار اليوم”.. هل يستطيع الاستعمار الجديد إجهاض المشروع الثقافي الإفريقي الجديد؟ -الحلقة 17

“نغوغي واثيونغو”، الكيني، هو واحد من أبرز أدباء إفريقيا اليوم، إلى جانب النيجيريين وولي شوينكا وتشنوا أتشيبي، وهو مرشح دائم لجائزة نوبل للآداب. تشهد كتاباته المختلفة والمتنوعة، في الرواية والمسرح والنقد الأدبي، على انتصاره للقارة السمراء وإنسانها المستضعف وهوياتها المهمشة وثقافاتها المهملَة. في هذا الكتاب: “تفكيك استعمار العقل”، يدافع “واثيونغو”، بالتزام وشغف كبيرين، عن فكرة استعمال اللغات والأسماء الإفريقية في الفكر والأدب والسياسة وتخليص أشكال التعبير وأنماط الحياة من مخلفات الاستعمار، حتى تتفكك أنظمة الإمبريالية ويتحقق الاستقلال الكامل.

 

أنتجت مجموعة عوامل مسرحا جماعيا، أو ما سمّاه “بوال” بـ”مسرح المضطهدين”؛ ذلك أن مضمونا قد يحدده الناس ينطوي في شكل بمقدورهم التعرف عليه والتماهي معه، ومشاركتهم في تطوره عبر مراحل البحث، أي بجمع المادة الخام، مثل الأغاني والرقصات القديمة، مثل “موثيريغي” و”موكونغ وا” و”مْوُوبوكو”، وأشكال الأوبرا مثل “جيتيرو”، إلخ؛ ومشاركتهم في مناقشة النصوص؛ ومن ثمة، في المضمون والشكل، عبر جلسات الإنصات والتداريب المفتوحة، وعبر العروض بالطبع. فاللغة الحقيقية للمسرح الإفريقي توجد في كفاحات المستضعفين التي تولد من رحمها إفريقيا جديدة. إذ يصنع مزارعو إفريقيا وعمالها غدا من مثابرة الراهن ومعمعته. ينبغي أن تعكس لغة المسرح الإفريقي الأصيلة هذا الأمر، حتى وإن ولد من رحم ذلك تلك المثابرة والمعمعة. سيلقى مثل هذا المسرح استجابة قلوب المشاركين وحيواتهم، بل قلوب أولئك الذين يعيشون خارج المحيط المباشر لكينونته المادية ودائرة سريانه.

حاورت صحيفة “دو دايلي نايشن” مشاركا يبلغ من العمر سبعين سنة، وهو “نجوكي وا نْجيكيرا”، في عددها الصادر يوم الجمعة 22 فبراير 1982، حيث قال: “عندما انطلقت مجموعة مسرح “كاميريثو”، وجدنا نحن الشيوخ أنه بمقدورنا أن نفيد بتعليم الشباب أمورا لا يعرفونها. شعرتُ أنني أفعل شيئا مهما للوطن بتعليم الأغاني التي وظفناها في “نغاهيكا نديندا”؛ ولهذا انخرطت في “مايتو نْجوغيرا”…” تبين تجرب “نغاهيكا نديندا”، بالنسبة إلى “نجوكي”، كيف يمكن أن يوضع التاريخ في الواجهة عبر المسرح حتى “يعرف الأطفال ما كان عليه ماضيهم، وحتى يساعدوا في بناء مجتمع سليم. والمسرحية الجديدة، “مايتو نجوغيرا”، على القدر ذاته من الأهمية، لأنه قلة قليلة من الكينيين اليوم يعرفون معنى أن تكون مستعمَرا في الثلاثينيات التي تدور حولها المسرحية.”

وقد عبر عن مشاعر مماثلة جميع الذين استجوبوا حول الموضوع ذاته، وكذا الذين استجوبتهم صحيفة “دو ستاندرد”، في عددها الصادر يوم الجمعة 29 يناير 1982. إذ أوجزت “وانجيرة وا نغيغي”، وهي شابة سكرتيرة وأم لطفلين، هذه المشاعر بالقول: “اكتشفت، خلال التدريبات حتى الآن، كثيرا مما لم أعرفه عن تاريخي. يمكنني القول بثقة إنني أعرف ومازلت أتعلم- أمورا كثيرا من ثقافتي. لقد جعلتني معرفة ماضي بالغة الإحساس بوضعي الراهن ووضع مستقبلي ومستقبل أبنائي”.

كان لـ”كاميريثو”، خلال فترة وجودها المادي القصير، أثر في تلك الحركة التي شهدها المسرح الكيني الموصوف آنفا في هذا الفصل. إذ كان هناك تحرك نحو الشعب والثقة التدريجية، لكن المتزايدة بلغات الناس واستعمالها في المسرح. كما كان هناك بروز مهرجانات ثقافية ذات قاعدة شعبية، مثل مهرجان “فيهيغا” الثقافي السنوي في غرب كينيا. لم تكن نسخا من “كاميريثو”، لكنها ألهمتها حاجة مستشعرة مماثلة إلى نهضة الثقافة الكينية التي ستتحقق بالتوجه نحو جذور كينونتها في حيوات الناس ولغاتهم. من هنا، كان تدمير “كاميريثو” أكبر من تدمير مسرح في الهواء الطلق. وقد أعطت “كاميريثو”، في بحثها عن لغة أصيلة للمسرح الإفريقي، رؤية مستقبل كينيا شكلا ملموسا- كينيا للكينيين، كينيا تعول على نفسها من أجل شعب يعتمد على ذاته، رؤية تجسد روحا جماعية تهفو إلى الديمقراطية والاستقلال. إذ تعارضت هذه الرؤية تماما مع الخنوع للولايات المتحدة الأمريكية والمصالح الإمبريالية الغربية التي مثلها النظام الاستعماري الجديد لـ”كينياتا” و”ماو”، الذي صار يتجسد الآن في شعار “النزعة النيايوية” التي تعني “اقتفِ أثري”.

ثمة منعطف مهم في قصة “كاميريثو”. ففي فبراير 1984، قام الرئيس “ماو” بـ”زيارة مفاجئة” إلى “كاميريثو”، فأذرف الدموع حسرةً على الفقر الذي رآه بمحيط المركز: “كيف يمكن للناس أن يعيشوا في مثل هذه الظروف؟ قدم تبرعا في المكان والزمان، باندفاع “غريزي” وحركة سخاء “شخصي” غير مدروسة، من أجل بناء معهد متعدد التقنيات مكان مسرح الهواء الطلق، من دون أي إشارة إلى مركز جماعة “كاميريثو” التربوي والثقافي. لكن الناس لم يخاتلوا. فما كانوا يأملون بناءه هو معهد متعدد التقنيات. وكانوا سيرحبون بواحد تشيده الحكومة بأموالها، لأنها أموالهم في نهاية المطاف. لكن للنظام آمال أخرى، حيث أظهر، بمرسومه الغاشم الرامي إلى تدمير مسرح “كاميريثو” سنة 1982، أساليبه الاستعمارية الجديدة المناهضة للشعب، وبات منسلخا أكثر عن الناس. ولم يحسن اضطهاده الشديد الكينيين سنة 1982- عبر الاعتقالات من غير محاكمة أو السجن بتهم ملفقة، خاصة في حق المحاضرين وطلاب الجامعيين- صورته، بل فاقمت انسلاخه عن الشعب. وصار يأمل أن ينسى الناس الرؤية البديلة التي تجسدت في تجربة “كاميريثو”، وإن لم تتحقق. ينبغي أن يتعلم الناس فضائل التذلل والامتنان لرواق النجوم.

لكن هل يمكن أن تجهض فكرة ما؟ هل تستطيع أن تدمر مقاما ثوريا هو نفسه مقدس ومحفوظ في الروح الثورية لشعب ما؟.

 

شارك برأيك