نغوغي واثيونغو | الرواية.. من الخرافة إلى التمرد على الاستعمار- الحلقة 20 – اليوم 24
نغوغي واثيونغو
  • محمد جليد

    محمد جليد يكتب: ما الذي يجري في مستشفياتنا؟

  • محمد جليد

    محمد جليد يكتب: عدنان والآخرون.. ضحايا من؟

  • محمد جليد

    محمد جليد يكتب: تذكير للتلفزيون المغربي!

فسحة رمضان

نغوغي واثيونغو | الرواية.. من الخرافة إلى التمرد على الاستعمار- الحلقة 20

“نغوغي واثيونغو”، الكيني، هو واحد من أبرز أدباء إفريقيا اليوم، إلى جانب النيجيريين وولي شوينكا وتشنوا أتشيبي، وهو مرشح دائم لجائزة نوبل للآداب. تشهد كتاباته المختلفة والمتنوعة، في الرواية والمسرح والنقد الأدبي، على انتصاره للقارة السمراء وإنسانها المستضعف وهوياتها المهمشة وثقافاتها المهملَة. في هذا الكتاب: “تفكيك استعمار العقل”، يدافع “واثيونغو”، بالتزام وشغف كبيرين، عن فكرة استعمال اللغات والأسماء الإفريقية في الفكر والأدب والسياسة وتخليص أشكال التعبير وأنماط الحياة من مخلفات الاستعمار، حتى تتفكك أنظمة الإمبريالية ويتحقق الاستقلال الكامل.

كانت نتيجة المزاعم الإمبريالية بتحرير الإفريقي من الخرافة والجهل ورعب الطبيعة، في الغالب، تعميق جهله واستفحال خرافته ومضاعفة رهبته من السيد الجديد صاحب السوط والبندقية. فالإفريقي، خاصة من تعلم في المدرسة الاستعمارية، أكثر استعدادا لأن يربط بالإنجيل تفسيره العجائبي لأصول الكون، وكشوفه “القدسية” حول المجيء الثاني وصوره المرعبة عن الجحيم ولعنة أولئك المذنبين في حق النظام الإمبريالي، من أن يربط كل هذه الأمور بالرواية، بتحليلها المتأني للدافع في الشخصية والحدث، وبافتراضها العام القائل إن العالم الذي نحيا فيه يمكن أن يفهم، أو أن يحلل على الأقل عبر ملاحظات أنماط سلوك الأفراد أو الأنماط المتغيرة للعلاقات الإنسانية بين الجماعات والأفراد.

كيف يمكن أن نتحدث عن الرواية الإفريقية حديثا ذا مغزى، وسط الأمية الشاملة، ووسط النظم الصوتية المتنافرة حتى داخل اللغة نفسها، وفي ظل الخرافات الجديدة للإنجيل والكنيسة؟ وكيف لي أن أتأمل في الرواية باعتبارها وسيلة لتجديد صلتي بالشعب الذي خلفته ورائي؟ كان جمهوري الذي استهدفته- الشعب- هو الطبقتان الممثلان في “كاميريثو”. فكيف يمكن أن أتخذ شكلا بورجوازيا على نحو خاص في أصوله وتأليفه واستهلاكه، لتجديد مثل هذه الصلة بجمهور تنخره المشكلات التي شرحتها آنفا؟

إن الأساس الاجتماعي، أو حتى الوطني، لأصول أي اكتشاف مهم أو أي ابتكار لا يحدد بالضرورة الاستعمال الذي يخضع له على يد ورثته. والتاريخ حافل بأمثلة معاكسة. فالبارود ابتكر في الصين، واستعملته البورجوازية الأوروبية، بفعالية، في انتشارها وتوسعها في كل أرجاء العالم. وابتكر العرب علم الحساب، لكن تملكته جميع شعوب أمم الأرض. وتاريخ العلم والتكنولوجيا، في رمته، هو نتاج إسهامات العديد من الشعوب والأعراق في إفريقيا وآسيا وأوروبا وأمريكا وأسترالي.

ويصح الأمر عينه على تاريخ الفنون- الموسيقى والرقص والنحت والرسم والأدب، حيث تملكت أوروبا وأمريكا القرن العشرين الموسيقى والفنَّ الإفريقيين. بل إن ما ينطبق على الأصول القومية والعرقية لاكتشاف ما ينطبق على الأصول الطبقية للاكتشافات انطباقا تاما. إذ كانت أهم الاكتشافات والاختراقات التقنية التي غيرت وجه القرنين التاسع عشر والعشرين، مثل دولاب الغزل والمنوال والمحرك البخاري، كلها نتاجات الطبقة العاملة.

كما كانت جميع الاكتشافات الحاسمة المبكرة، مثل الطاحونة الهوائية أو الطاحونة المائية، من ابتكارات المزارعين. ومن جديد، فإن هذا الأمر ينطبق أكثر على الفنون. ذلك أن أهم الاختراقات في الموسيقى والرقص والأدب مستعارة من المزارعين. بل إن الألعاب، مثل كرة القدم والألعاب الرياضية، مصدرها أناس عاديون، بينما ليست كل الألعاب الأخرى التي اقترنت عادة بالطبقات العليا سوى تشذيبات لتلك التي يلعبها الشعب. وما من مجال يتضح فيه هذا الأمر أكثر من مجال اللغات. إذ إن المزارعين والطبقة العمالية هم الذين يغيرون اللغة على الدوام، في النطق، وفي تشكيل لهجات جديدة وكلمات وعبارات وتعابير جديدة. ففي يد المزارعين والطبقة العمالية تتغير اللغة باستمرار، ولا تكف عن ذلك.

فقد تمثل التاريخ الاجتماعي للعالم قبل مجيء الاشتراكية الظافرة في تملك الطبقات العاطلة المستمر لنتائج وعبقرية عمل الملايين. لِم لا ينبغي أن يتملك المزارعون والطبقات العمالية الإفريقية الرواية؟

ومهما يكن من أمر، فإن الرواية نفسها نشأت من التراثات المبكرة للحكايات الشفاهية والسرود الشعرية الملحمية، مثل “إلياذة” و”أوديسة” هوميروس أو حكايات “ليونغو” في الأدب السواحيلي.

كانت هذه بالتأكيد أشكالا فنية أبدعها المزارعون. وللرواية الإفريقية، باعتباره سردا موسعا في شكل مكتوب، سوابق في الأدب الشفاهي الإفريقي. فالعنصر الجوهري بالأحرى في الحكاية الشفاهية، كما في حكاية الرواية، هو القصة، أي عنصر ما سيحدث لاحقا. إذ تكمن الفنّية في مختلف أدوات إدامة القصة.

قد لا يكون السؤال، ربما، هو ذاك المتعلق بالأصول العرقية والقومية والطبقية للرواية، وإنما ذاك المتصل بتطورها والاستعمالات التي تخضع لها باستمرار.

IV

تأثرت الرواية الإفريقية وتطورها، منذ نشأتها أوائل هذا القرن (العشرين)، بعاملين سلبيين اثنين: يتجلى العامل الأول في أن المطابع ودور النشر والسياق التربوي لميلاد الرواية كان خاضعا لمراقبة البعثات التبشيرية والإدارة الاستعمارية. إذ كان الممارسون الأوائل للرواية الإفريقية، في جنوب إفريقيا خاصة، نتاج المؤسسات التربوية التبشيرية، حيث يظهر على الأرجح أنهم كانوا عرضة للتأثر برواية “بُنْيان” “رحلة الحاج” و”نسخة الملك جيمس” أو نسخة الإنجيل المرخص، أكثر من تأثرهم بـ”تولستوي” أو “بالزاك” أو “ديكنز”.

وحتى عندما أدخلت الروايات في وقت لاحق إلى مكتبات المدارس، كان الانتقاء يتم بعناية حتى لا تتعرض العقول الشابة لتأثيرات أخلاقية وسياسية خطيرة ومكروهة ومرفوضة. أتذكر أن المدير المبشر لثانوية “أليانس” استغل الاجتماع الصباحي، ذات يوم، ليحاضرنا في جمال وبهاء رواية “آلن باتن” “ابك البلد الحبيب”، وبطلها هو العم “توم” المسيحي الإفريقي المسالم الخنوع؛ ثم يتهم “آلن باتن” بضلال عن الطريق في الرواية اللاحقة “تأخر كثيرا طائر الفَلَروب”، بإدراجه مقاطع جنسية بين البيض والسود في جنوب إفريقيا. إذ استمدت الرواية الإفريقية المبكرة التي كتبت في هذه الظروف تيماتها وانشغالاتها الأخلاقية من الإنجيل. لكن مثل هذه الرواية كانت كذلك نتاج سياسة مقصودة تبنتها الحكومة ومطابع البعثات التبشيرية.

ففي روديسيا، لم يكن مكتب الأدب لينشر رواية إفريقية تعالج أي تيمة غير التيمات الدينية والاجتماعية الخالية من السياسة. كان يرحب بإعادة رواية الحكايات والخرافات القديمة، وإعادة بناء الممارسات السحرية والطقوسية ما قبل الاستعمار، وقصص الشخصيات التي تخرج من ظلام الماضي ما قبل الاستعماري إلى نور الحاضر المسيحي. لكنه كان يرفض أي نقاش أو أي إشارة إلى الاستياء من الاستعمار!.

شارك برأيك