بلال التليدي يكتب: هل يعيد المغرب تجربة تعاقد جديد للخروج من أزمة ما بعد كورونا – اليوم 24

بلال التليدي يكتب: هل يعيد المغرب تجربة تعاقد جديد للخروج من أزمة ما بعد كورونا

  • بلال التليدي يكتب: لماذا المساجد لم تفتح؟

  • بلال التليدي يكتب: مخاطر على الأمن التعليمي

المعطيات التي كشف عنها محمد بنشعبون، وزير الاقتصاد والمالية، حول خسائر الاقتصاد الوطني، خلال الطوارئ الصحية التي اتخذها المغرب لمواجهة جائحة كورونا، تعطي صورة عن سنوات عجاف سنستقبلها بعد الخروج الآمن من هذا الوباء.

أن يخسر المغرب مليار درهم يوميا منذ الإعلان عن حالة الطوارئ الصحية، ودخول نسب النمو الدائرة السلبية، معناه، أن الأزمة الاقتصادية سترخي بظلالها القاتمة على الوضعية الاجتماعية، وأن البلاد ستكون عاجزة بشكل كبير عن تأمين متطلبات الوضع السابق لكورونا، وستدخل مرة أخرى دائرة حراك اجتماعي، ينطلق في البدء من شعارات مطلبية فئوية، وينتهي كما انتهى حراك 20 فبراير إلى عنوان سياسي.

الذين يفهمون قواعد السياسة في المغرب، لن يتفاجؤوا بهذا السيناريو، بل يتحسبونه، ويدركون أن المغرب ماض إليه، لكن سؤالهم، تجاوز إمكان وقوع ذلك من عدمه، إلى ما هو أبعد من ذلك وأخطر.

في لحظة 20 فبراير، وبعدما تكتمت الحكومة على تداعيات الأزمة المالية العالمية لسنة 2008 على الاقتصاد الوطني، انتهى الأمر إلى الكشف عن الحقيقة، وتحولت الأزمة الاقتصادية إلى حراك اجتماعي، وصادف ذلك حراك إقليمي في المنطقة، وتجاوبت الدولة مع زخم هذا الحراك، واستبقت تحول الحراك إلى عنوان سياسي، ووجدت النخب السياسية التي تقوم بدور الوساطة والتهدئة السياسية، والإقناع بثالوث المصلحة الوطنية العليا (الملكية، والإصلاح والاستقرار)، بل ووجدت داخل النخب من الكاريزمات السياسية من يجسر الفجوات ويسرع النقلة، فاجتمعت الحكمة والإرادة الملكية، بجاهزية النخب الإصلاحية وتحملها لمسؤوليتها التاريخية في ذلك الظرف العصيب.

السؤال الذي يطرح هو مدى جاهزية النخب، ومدى توفر كاريزما قادرة على القيام بالدور التاريخي.

الملكية دائما جاهزة لتحصين مصالح الدولة العليا، وجاهزة بحكمتها للانعطاف نحو الشعب وسماع نبضه، لكن، مفعول هذه الحكمة يتوقف على حامل صداها في الشارع، من النخب الإصلاحية وكاريزماتها العضوية.

الوضعية لن تكون سهلة، فإذا كانت لحظة 20 فبراير مشحونة بزخم إقليمي ضاغط، وتوجهات دولية داعمة للتحولات الديمقراطية، أو على الأقل غير مناهضة لها، فواقع ما بعد كورونا أضعف قدرة السياسات الدولية والإقليمية على التدخل لدعم الديمقراطية أو مناهضتها، ولن يكون بإمكان المغرب أن يمضي في سيناريو الدولة الشمولية، لأنه ببساطة سيعصف بكل مكتسباته الديمقراطية، وسيدخل مغامرة غير محسوبة العواقب، لأن جوهر السياسة في المغرب يجري عبر الوسائط، لا عبر الدولة. 

ليس أمام المغرب خيارات كثيرة، إن اتجه إلى هذا السيناريو، فالنخب تعيش وضعا مأزوما، وآخر مربع وصلت إليه السياسة قبل جائحة كورونا، هو “تغول التقنوقراط وحد أدنى من السياسة”.

هذه الصيغة التي جرى الاحتماء بها للتغطية على جوهر الأزمة، لن يكون بإمكانها الاستمرار والصمود أمام زخم احتجاجي محتمل، فلن يكون بإمكان التقنوقراطي تحمل المسؤولية السياسية، ففي لحظة الأزمات تطلب الدولة نخبا قوية تتحمل مسؤوليتها في مخاطبة الجمهور وإقناعه بمنطق الدولة وضروراتها لحظة الأزمة، نخبا تتعاقد معها الدولة على تحمل مسؤوليتها في تأطير الموطنين وتهدئتهم، في مقابل أجندة إصلاحات تتعهد بها، فيكون مضمون التعاقد هو سلاح النخب للتواصل مع الجمهور: الاستقرار مقابل الإصلاحات.

التقنوقراط أهل خبرة فنية، يقدمون الاستشارة بما وقع بين أيديهم من أرقام ومؤشرات، أما الجمهور وحراكه وزخمه وأسلوب التخاطب معه، فهي قضايا ليست من مهمتهم، هذه مهمات النخب السياسية، وليست أي نخب. هي فقط مهمة النخب السياسية الإصلاحية التي خرجت من رحم الشعب، والتي تعرف لغة الشعب.

خيارات المغرب ليست كثيرة، وأي مسعى للذهاب نحو فكرة حكومة ائتلاف وطني، معناه التمكين للنخب الإدارية التي أفسدت السياسة، وتسببت في إضعاف الثقة في المؤسسات، بل سيفهم المواطن البسيط المغلوب أن منسوب الجدية في أي جواب سياسي مع مقترح حكومة ائتلاف وطني، سيكون في الحضيض.

الرهان مرة ثانية على العدالة والتنمية، وإن كان حزبا إصلاحيا بقاعدة اجتماعية عريضة، ليس خيارا مضمونا تماما، فثمة صورة سابقة تمثلها الرأي العام عن دور له سابق في بناء تعاقد مع الدولة انتهى إلى واقع من التحلل، بتكتيكات لعبت فيها النخب الإدارية بمباركة مع نخب إصلاحية انحرفت قياداتها.

ليس لدينا خيار غير النخب الإصلاحية، وهي ليست مضمونة تماما، وليست لدينا نخب إصلاحية عذراء. هي إذن، معضلة لن يكون بالإمكان الخروج منها سوى بجواب سياسي بأفق دستوري، فالانتقادات التي توجهت للنخب الإصلاحية، كانت كلها على خلفية الموضوع الدستوري، وإزاحة حكومة بنكيران جرت من مدخل دستوري، ولا يمكن استرجاع ثقة الجمهور المحبط من السياسة في المغرب، إلا بأفق دستوري للإصلاح السياسي، يحدد بدقة العلاقات بين المؤسسات، ويوضح المسؤوليات، ويسمح بإنتاج صيغة تعاقدية أخرى، تقوم هي الأخرى بتجربتها في تأمين المصالح العليا للبلد في اللحظة الحرجة المقبلة. 6

شارك برأيك