جمال بدومة يكتب: سيناريوهات مغربية – اليوم 24

جمال بدومة يكتب: سيناريوهات مغربية

  • جمال بدومة يكتب: “الوجه المشروك”!

  • جمال بدومة يكتب: من يدفع الفاتورة؟

الحياة في المغرب ميلودراما حقيقية. مَن يكتبون السيناريو يلعبون بمصائرنا أفضل مما يفعله كتاب المسلسلاتالرمضانية، المفاجآت مضمونة، والضحك يعقبه البكاء، والأحداث المتوقعة تأتي في وقت غير متوقع: كنا ننتظر إطلاقسراح توفيق بوعشرين وحميد المهداوي ومعتقلي الريفوإذا بنا نفاجأ باعتقال سليمان الريسوني! عيد مبارك سعيد،رغم أنه من الواضح أن مبارك مات وسعيد بوتفليقة في السجن، مثل بوعشرين والمهداوي ونشطاء الريف، وها هو سليمانيلتحق بهم، بتهمة سريالية، لا تخطر على بال الشيطان. ما حدّها تقاقي وهي تزيد فالبيض. مرحبا بكم في مغرب ما بعدكورونا. من قال إن العالم سيصبح أفضل؟ الأحلام الطوباوية التي رسمناها لمغرب الغدبعدما أظهر المخزن خوفامفاجئا على المواطنين، وأجمع الكل على تلاحم الدولة والشعب في محاربة الوباءتحولت بسرعة إلى أوهام. الصحافيونتحولوا إلى أقصر حائط في المملكة،جفّافتَمْسح فيه السلطة أقدامها. إذا أردْت أن تكون صحافيا جديرا بالمرحلة،عليك أن تحمل بوقا أو طبلا أوغيطةوتقيم الأعراس والأفراح ابتهاجا بمبادرات السلطة وكفاءة رجالها وعظمةمشاريعها وعبقرية تدخلاتها، من يصر على حمل القلم بدل إحدى هذه الآلات الموسيقية، تُكسّر أصابعه وأسنانهومستقبله. هناك من لا يكتفي بالعزف والرقص، بل يتحول إلى كلب، ينتظر تعليمات سيده، كي ينبح علىالمارقينوينهش لحم كل من يزعج السلطة، في أي موقع كان.

مع الأسف، لم يعد هناك في المغرب هامش لممارسة الصحافة كسلطة رابعة، تنبه إلى الاختلالات، وترصد العيوب، وتراقببقية السلط، من أجل الدفع بعجلة الديمقراطية إلى الأمام. إما معنا أو ضدنا. الله يجازي اللي كان حيلة وسباب. بالنظرإلى التضحيات التي قدمها أجيال من المغاربة في سبيل الحرية والتحرير، ومسار المصالحة بين الدولة والمجتمع الذيتكرس خلال العقود الأخيرة، والتراكم الذي حققه الإعلام، كان يفترض أن يكون وضع الصحافي في 2020 أفضل منالطبّال!

لنعترف أن السلطة اكتسبت خبرة كبيرة في التعاطي مع الصحافيين الذين يغردون خارج السرب. لم تعد ترتكب تلكالأخطاءالقديمة، التي تقضي بمحاكمتهم على ما يكتبون، بل أصبحتتطبخملفاتهم على نار هادئة، وعندمايستويالطاجينيتم الاعتقال. التهم غالبا أخلاقية، لا علاقة لها بالنشر، والأحكام القضائية تأتي كي تتوج سخطاشعبيا واستنكارا لدى الرأي العام، بعدما تنهش الكلاب سمعة المعني بالأمر، وتحرض عليه المواقع المشبوهة التي انتشرتفي السنوات الأخيرة  أكثر من انتشار (الكوفيد ـ 19). اللعبة محبوكة. لن نعطيكم بعد اليوم شرف الاعتقال من أجلالكلمة الحرة!

توفيق بوعشرين لم يدخل إلى السجن بسبب افتتاحياته، بل لأنهمغتصب ومتحرش ويتاجر في البشر، وهاجرالريسوني لم تعتقل بسبب ما تكتبه أو لانتمائها إلى عائلة مزعجة، بل لأنهامارست الإجهاض وعلاقةً خارج الزواج،والمهداوي لا يوجد وراء القضبان بسبب جرعة زائدة في نقد السلطة، بل لأنهتستر على مخطط يهدد أمن وسلامة البلاد،وسليمان الريسوني لم يقبض عليه لأنه كتب مقالات مزعجة في هذه الجريدة، بل لأنهتحرش بمثلي عام 2018″… كمنحن بعيدون عن محاكمة الصحافيين في سنوات الألفين، حين كانت التهم مباشِرة، تتعلق بحرية التعبير. علي لمرابطوعلي أنوزلا وأحمد بنشمسي وبوبكر الجامعي…. كانوا أحسن حظا. اللعب أصبح وسِخا. أن تكون صحافيا، لا يحملغيطةولا طبلا ولا بوقا، مهمة انتحارية في المغرب، خصوصا إذا كنت تضع ثقتك كاملة في ضميرك. الصحافي فيالنهاية شخص أعزل، كأيها الناس، لا حول ولا قوة له إلا قلمه، ولا يمكنه أن يواجه دولة تملك ترسانة منالبرگاگةوالمقدمين والحضايةوخبراءالطبخوالخياطة على المقاس“. حتى لو كنت ملاكا، باستطاعتهم أن يعثروا لك علىصور في السرير مع إبليس، ويعتقلونك بتهمةاغتصاب الشيطان الرجيم“. ما أحوجنا أن نلعن هذا الشيطان، ونبدأعلاقة سوية بين الصحافة والسلطة!

شارك برأيك