يونس مسكين يكتب: «أمنيستي».. التاريخ لا يعود أدراجه – اليوم 24
يونس مسكين
  • يونس مسكين

    يونس مسكين يكتب: قنابل بيروت ومشرط مدريد

  • يونس مسكين

    يونس مسكين يكتب: ضربة سوء حظ

  • مزارع الكيف

    تقنين “الكيف” على مائدة لجنة بنموسى.. التازي: 250 ألف مغربي ضحية “النفاق”

الرأي

يونس مسكين يكتب: «أمنيستي».. التاريخ لا يعود أدراجه

يمكن المواجهة التي تدور حاليا بين الدولة المغربية ومنظمة العفو الدولية أن تعني أي شيء، إلا أن تكون مصدر فرح أو ارتياح، سواء لمن يحبّ المغرب ويحرص على صورته ومصالحه، أو من يشغله الهم الحقوقي ووضعيته. لكنني وأنا أتابع هذا التراشق الجاري بين المغرب و«أمنيستي» الدولية، حول النزاهة والإخلاص للمرجعية الحقوقية وممارسة التجسس… تذكّرت تلك الفقرات التي طالعتها أخيرا وأنا أعيد قراءة مذكرات الزعيم الاتحادي الراحل عبد الرحمان اليوسفي، بعد رحيله المؤلم عن دنيانا قبل بضعة أيام، وهي المذكرات التي تحمل عنوان: «أحاديث في ما جرى».

في أقل من نصف صفحة دبّج الزعيم الاتحادي الراحل ثلاث فقرات، تحدّث فيها عن كيفية عرقلة وزير الداخلية الراحل، إدريس البصري، محاولة اليوسفي إقناع منظمة العفو الدولية بعقد مؤتمرها السنوي في المغرب بعد تشكيل حكومة التناوب، معتبرا ذلك «بمثابة شهادة دولية بأن هذا البلد وضع قطار حقوق الإنسان على السكة الصحيحة».

ما جرى هو أن إدريس البصري قام، حسب رواية اليوسفي دائما، بتقديم تسجيل صوتي للملك الراحل الحسن الثاني، وفّرته أجهزته السرية، يتضمن حوارا شخصيا بين «بيير ساني»، رئيس منظمة العفو الدولية الذي زار المغرب وقتها، وبين أحد مناضلي اليسار المغربي، حيث جرى استدراج المسؤول الأول عن «أمنيستي» وتوريطه في التلفظ بكلمات قالت مذكرات اليوسفي إنها «تمس مقدسات هذا الوطن»، فكان ذلك التسجيل كافيا لتأخير عقد مؤتمر المنظمة الحقوقية الدولية في المغرب وقتها.

واقعة كان قيوم الصحافة الراحل، مصطفى العلوي، قد أورد بعض تفاصيلها في ركن «الحقيقة الضائعة» بجريدة «الأسبوع الصحفي»، حيث قال إن اليوسفي فوجئ في أحد الأيام وهو بمكتبه في المشور السعيد، بالملك الراحل يدخل عليه داعيا إياه إلى الخروج برفقته، وأثناء جلوسهما في سيارة الملك، أطلق هذا الأخير تسجيلا صوتيا لشخصين يتحدثان باللغة الفرنسية، حيث يسمع حديث المرافق لرئيس منظمة العفو الدولية عن كونه سيحظى بشرف مقابلة ملك المغرب، ليردّ «بيير ساني» بالقول إن الحسن الثاني هو من سيتشرّف بلقائه وليس العكس.

هذا ما يفسّر التأبين الخاص الذي قامت به منظمة «أمنيستي» متم شهر ماي الماضي لعبد الرحمان اليوسفي، حيث كتبت في صفحتها الخاصة بالفرع المغربي على موقع «فيسبوك»، أن الزعيم الاتحادي الراحل كان استقبل مسؤولي المنظمة في مكتبه لإخبارهم بإلغاء المؤتمر العالمي لأمنيستي، «كم كان حزينًا وظل صامتا مدة طويلة وكأنه يدفن جزءا من تاريخه إلى الأبد، وقال في الأخير بصوت جريح وقد علت ملامحه مسحة ألم عميق: ‘‘إنني أخبركم بأصعب قرار في حياتي، لا يمكنكم معرفة مقدار حزني’’.. وصمت مرة أخرى أمام ذهول الحاضرين، لا أحد يعرف كم مضى من الوقت، مثل لحظة حِداد، كان البعض يمسح دموعه والرجل ينظر إلى أعلى نظرة غامضة».

لا يمكن الحديث عن علاقة المغرب بمنظمة العفو الدولية دون العودة إلى التسعينيات، لأن الفرع الخاص بهذه المنظمة الحقوقية المرموقة افتتح أواسط هذا العقد، في سياق خاص اتّسم بطي صفحة معركة شرسة خرج خلالها الملك الراحل، الحسن الثاني، في حوار تلفزيوني مازال تسجيله متاحا عبر الأنترنت، ليقرّع «أمنيستي»، ويشكك في نزاهتها وسلامة تقاريرها، بعدما أصدرت تقريرها الشهير مفجّرة ملف المعتقلات السرية ومراكز التعذيب التي كان نظام الملك الراحل يخصصها للمعارضين والمتهمين بالتآمر على حكمه.

ورغم نكسة الفشل في تنظيم مؤتمرها السنوي في المملكة كما تمنى ذلك عبد الرحمان اليوسفي، فإن حبل العلاقة بين المغرب وهذه المنظمة الحقوقية لم ينقطع رغم فترات الشدّ والجذب للمتكررة التي مر بها. ولا يمكن عاقلا أن يتوهّم أن المملكة وأجهزتها ورجالاتها المتعاقبين لم يدركوا حقيقة «أجندة» وخلفيات «أمنيستي» الدولية، التي يريد البعض أن يقنعنا اليوم بأنها مجرّد أداة تخريبية، فيما يعرف متابعو الشأن الحقوقي العالمي أنها تأسست في سياق وملابسات ترمي إلى تجاوز الحواجز الإيديولوجية والدينية في الدفاع عن حقوق الإنسان.

إن تقارير هذه المنظمة لا تأتيها القداسة من بين يديها ولا من خلفها، وما تنتجه من خلاصات وتوصيات يصدر عن بشر قد يعتريهم الخطأ، كما يمكن أن يسقطوا في سوء التقدير أو الانسياق وراء ميولهم الفكرية والسياسية. لكن، ومثلما يصعب تقبّل الخطابات التي تصوّر المغرب على هيئة تجعله أسوأ من أعتى الدكتاتوريات والأنظمة الشمولية المغلقة، يصعب أيضا «هضم» ما يحاوله البعض، واهما، من عنترية غير مفهومة ولا مبررة، تعتقد أنها تستطيع إسقاط مصداقية «أمنيستي» وتمريغ صورتها في الوحل، تماما كما يجري الأمر مع أي مواطن أعزل استهدفته آلة التشهير والتشويه ممن يراد إعدامهم رمزيا ومعنويا.

واهم أيضا من يعتقد أن منطق التصعيد والتجريح والتخوين، ومعاملة منظمة حقوقية كما نعامل دولة معادية يثبت نقاء سريرة الدولة وبراءتها مما لمح إليه التقرير. رد الفعل المتشنج هذا يبعث رسالة واحدة مفادها أن صدر الدولة بات أضيق من تحمّل الانتقادات الحقوقية والمدنية. ومثلما انتفضت الحكومة من رئيسها إلى ثلاثي وزرائها الذي تصدى لمهمة جلد «أمنيستي» الخميس الماضي، كان عليها أن تتبرأ من الخطاب الذي اتهم منظمة العفو الدولية بالقيام بوظيفة استخباراتية.

هذا منطق جرّبه البعض مع الأصوات الحقوقية والإعلامية المحلية، وبات يعتقد أنه يمكن أن يجدي مع منظمة دولية من حجم «أمنيستي». إنه منطق ينم عن سطحية واستسهال لعملية إضعاف مسترسل للدولة المغربية، من خلال عزلها عن محيطها السياسي والإعلامي والحقوقي. منطق يجهل، أو يتجاهل، أن عملية البناء والتقدّم تحتاج إلى شركاء أقوياء، لكنها تتطلّب أيضا خصوما محترمين، يمنحونك فرصة الصراع الإيجابي، تماما مثلما تحتاج الكيمياء إلى التفاعل الذي يتطلب الاحتراق وتطاير الشرر، في بعض الأحيان، لبلوغ المراد.

لو كنا في مناخ سليم، لكان بيان رسمي وفوري من الحكومة ينفي أو يوضح ما ورد في تقرير منظمة العفو الدولية كافيا لإحداث التوازن وإبقاء التقرير الحقوقي في حجمه الطبيعي؛ وربما كان الزميل الصحافي عمر الراضي قد لجأ إلى القضاء مستندا إلى هذا التقرير، مطالبا بالبحث وكشف حقيقة اختراق هاتفه، وما إن كانت حقوقه الدستورية في سرية المراسلات قد انتهكت أم لا، بدل أن يصبح استدعاؤه للتحقيق متزامنا مع لحظات التصعيد الحكومي ضد المنظمة الحقوقية الدولية.

في البلاد مؤسسات وهيئات حقوقية تبدأ من المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ولا تنتهي بوزارة الدولة المكلفة بحقوق الإنسان، مرورا بمندوبية وزارية لحقوق الإنسان، ولو انتصر فينا الإيمان بدولة الحقوق والحريات، لكان تفاعل هذه المؤسسات والهيئات مع مزاعم «أمنيستي» بوجود شبهة للتجسس على صحافي مزعج، يغنينا عن وقوف ثلاثة من وزراء «السيادة» في ندوة صحافية «دولية» من أجل مهاجمة منظمة حقوقية، والعودة بذاكرتنا إلى تلك الجلسة التلفزيونية للملك الراحل الحسن الثاني، أمام الصحافية الفرنسية «ماري سان كلير»، مطالبا «أمنيستي» بإثبات وجود مئات المعتقلين السياسيين في سجونه، متسائلا: «لماذا تقحم أنفها في شؤوننا؟».

لا أحد يمكنه أن يزعم أن الحسن الثاني كان يفرح بتقارير أمنيستي في السر ويلعنها في العلن، لأنها تمنحه الفرصة للضغط على جيوب المقاومة وتحقيق الانفراج الذي سمح بانتقال آمن للعرش، لكن من المؤكد أن دور مثل هذه المنظمات والتقارير كان إيجابيا، وحفّز الدولة على القيام بخطوات إيجابية، نتمنى ألا تتراجع عنها.

 

شارك برأيك

مواطن

لماذا لم يحمل السيد الراضي تقرير امنستي التقني ان كان هناك فعلا تقريرا و ينشره، اعتقد صادقا أن البعض يفرح عندما يكتب اي تقرير ضد المغرب و ان كان صحيحا ليس حبا في تحقيق العدالة و طلبا لتطوير المجتلزالحقوقي ولكن لعدم قدرته على استقطاب المواطنين لمشروعه السياسي و غيابه عن الساحة السياسية الحقيقية و وجوده في الصالونات الضيقة في مدينتين فقط في المغرب. المشكل في المثقفين هو اجترار تعابير انشائية لا تسمن و لا تغني، و تصبح امنستي طوق نجاة ولا ننسى أن مناضليها المغاربة لا يستطيعون ملء قاعة صغيرة في المغرب.

إضافة رد