محمد جليد يكتب: ملاحظات من وحي الباكالوريا – اليوم 24
محمد جليد
  • مؤجل 2

    «الوطن أولا».. مذكرات بوستة في الحياة والسياسة

  • إتيان باليبار

    الكتاب توصيف للصراعات داخل الثقافة الواحدة.. «العالم».. مرافعة باليبار حول المواطنة الكونية

  • محمد جليد

    محمد جليد يكتب: الثقافة في زمن الزوم!

الرأي

محمد جليد يكتب: ملاحظات من وحي الباكالوريا

امتحانات الباكالوريا لحظة فارقة في حياة المتعلم؛ ذلك أن اجتيازها يعني طلاق مرحلة التلمذة، بكل ما تعنيه من تعلم لأبجديات القراءة والكتابة، والانتقال إلى المرحلة الطلابية بوصفها مرحلة اكتساب العلوم والمعارف وبناء القدرات والكفاءات. ولأن هذه الامتحانات تقع في منتصف الطريق، فإن اجتيازها يعني التخلص من مواد كثيرة لا تنسجم وقناعات التلميذ، والانتقال إلى المجال المحبب الذي يترجم أفكار الطالب وأحلامه وطموحاته، الخ.

من هنا، فإن لحظة هذه الامتحانات غالبا ما يرافقها نقاش كبير، وإن كان معظمه أشبه باللغط. والامتحانات الأخيرة ليست استثناء في هذا السياق. فالملاحظة الأولى التي تسترعي انتباه المتابع هي استمرار الشكوى من «صعوبة الامتحانات».. شكوى اكتسبت طابع الأبدية. ورغم أنها ظهرت مع ظهور الامتحانات نفسها، إلا أنها باتت تكتسي طابع الاحتجاج في السنوات الأخيرة، رغم أن الامتحانات لم تعد مركبة، ولا معقدة، كما كانت إلى حدود تسعينيات القرن الماضي. ومما لا شك فيه أن ذلك مرجعه، من جهة، إلى التهاون العام والواضح الحاصل في التحصيل وغياب التنافس بين التلاميذ؛ ومن جهة ثانية، إلى نوع من «الطمع» في الحصول على معدلات أعلى، كما سنرى في ملاحظة لاحقة.

من جانب ثان، وإذ يلاحظ المرء اقتصار أسئلة الامتحانات هذه السنة في جميع المواد على دروس الدورة الأولى، فإنه يخلص إلى نتيجة واحدة، مفادها أن ما سمي زورا بـ«التعليم عن بعد» كان فاشلا. إذ يكشف ذلك أن الوزارة عملت بنصائح المفتشين والأساتذة الذين نبهوا، منذ الأسابيع الأولى، إلى أن الدروس المصورة والمسجلة لا تؤدي غاياتها التربوية ولا تصل إلى كل التلاميذ، لأن كثيرا من هؤلاء اعتبروا أنفسهم منذ البداية في عطلة طويلة الأمد، فضلا عن أن التكنولوجيا المساعدة على التعلم عن بعد ليست معممة، سواء ما تعلق منها بالأجهزة أو بشبكة الإنترنت، خلافا لما صرح به الوزير المسؤول عن القطاع في وقت سابق.

منطلق الملاحظة الثالثة تذمر التلاميذ من الأسئلة والمعادلات التي طرحت في مادتي الرياضيات والفيزياء. إذ يفيد تغيير طبيعتها سيادة نمطية في الامتحانات، اطمأن إليها التلاميذ منذ سنوات طويلة، إما من خلال الدروس المباشرة، وإما من دروس الدعم والتقوية خارج المؤسسات، وإما من خلال دلائل الامتحانات المكرسة… من هنا، يدعو حجم الشكوى الذي قوبلت به أسئلة هاتين المادتين إلى ضرورة تبني مقاربة تخلخل هذه النمطية وتمتحن ذكاء التلاميذ، بما يجعلهم متنبهين متيقظين على الدوام، لا واثقين مطمئنين.

أما الملاحظة الرابعة، فقوامها مقارنة المعدلات والنتائج بين الإناث والذكور من جهة، وبين المدرسة العمومية والمدارس الخاصة. إذ يلاحظ، في ما يتعلق بالمقارنة الأولى، تفوق الإناث على الذكور في التحصيل، وهو واقع ليس وليد اليوم، بل تكرس منذ سنوات خلت. هكذا، فإن علوم التربية وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلوما أخرى مطالبة اليوم بتقديم أجوبة شافية حول استكانة الذكور مقابل اجتهاد الإناث، وتفسير إقبال هؤلاء على التحصيل وإدبار أولئك. كما يلاحظ، في ما يتصل بالمقارنة الثانية، أن المدارس الخاصة لا تفي بوعود التعليم، رغم كل الإمكانيات والتسهيلات المتاحة لها، وأن المدرسة العمومية تتفوق عليها بأشواط، رغم ظروف الاكتظاظ وبنياتها التحتية المهملة على نحو مقصود. إذ الحكومة مطالبة، في هذا السياق، بمراجعة قرارها تفويت التعليم إلى الخواص تدريجيا.

وفي الملاحظة الأخيرة، أعود إلى مسألة المعدلات المرتفعة، التي أصبحت تمثل حالة مَرَضية عند التلاميذ وأسرهم، كما قال الوزير السابق عبد الله ساعف في إحدى ندوات موسم أصيلة الثقافي السنة الماضية. فالمعدلات الحسنة أو المستحسنة لا تعني التفوق والعبقرية، مثلما لا تعني المعدلات المتوسطة فقرا في الكفاءة وتدنيا في القدرات العقلية. كم من عبقري كان بليدا في صغره (والمثال الحي هنا هو توماس أديسون مخترع المصباح). وقد كشف ساعف، حينها، بعض المفارقات التي حصلت بعد الباكالوريا، من إخفاق بعض أصحاب المعدلات المتميزة، أو انطلاق موفق لأصحاب المعدلات المتوسطة. ذلك أن هذه المعدلات المرتفعة التي تصل إلى 19 و20 لم تفرز لنا، حتى الآن، أي عبقري يمكن أن تضاهي به بلادنا عباقرة البلدان الأخرى، ولم تنتج لنا مفكرا أو أديبا في حجم المفكرين الذين تخرجوا من مدارس الحركة الوطنية والجامعة المغربية منذ الخمسينيات إلى السبعينيات.

من هنا، فالباكالوريا ليس سوى امتحان فقط، والتفوق فيه ليس إثباتا لمسيرة علمية أو معرفية مضمونة أو لمستقبل باهر، كما لا تعني نتائجه المتواضعة نهاية المسار وانغلاق الأفق. إنما هو محطة عبور، لا غير. لذا، فالتعليم المغربي، وزارة وإدارة وأطقما تربوية، مطالب اليوم بإحداث تغيير جذري، على غرار التغيير الذي حصل في طبيعة أسئلة الرياضيات والفيزياء.. تغيير من شأنه كسر الترسبات المتكلسة في النظام التربوي وتحريك العقول وخلخلة المعتقدات السائدة.

شارك برأيك