منير أبو المعالي يكتب: ناركوس – اليوم 24
منير-ابو-المعالي
  • منير-ابو-المعالي

    منير أبو المعالي يكتب: ضجيج كئيب في البرلمان

  • منير-ابو-المعالي

    منير أبو المعالي يكتب: موت مضلل

  • مصطفى اليحياوي - ارشيف

    اليحياوي: الدولة لا تملك مساحة سياسية لإسقاط الـ”PJD” في الانتخابات- حوار

الرئيسية

منير أبو المعالي يكتب: ناركوس

comعلى الجميع أن يحصي خسائره من الآن فصاعدا بسبب الجائحة.. كلا، ليس الجميع على ما يبدو. منظمات المخدرات خلقت من ظروف وترتيبات قاسية مصدرا لانتعاش غير مسبوق. على طول شمال البلاد، لم تتوقف رزم المخدرات على التدفق، ولسوف تبدع العصابات حيلا أكثر ذكاء، مثلما فعلوا في ذروة الانشغال العام للسلطات بإجبار الناس العاديين على البقاء في منازلهم، فيما هم ينقلون المخدرات بواسطة طائرات مسيرة عبر الحدود إلى سبتة.

تظهر البيانات الرسمية، وبشكل مفاجئ، تطورا كميا مذهلا في حجم المخدرات التي جرى حجزها في الشهور الثلاثة حين طُبق الحجر. على الموانئ، كانت شحنات هائلة يجري اكتشافها من لدن قوات الشرطة باستمرار، وبوتيرة أسبوعية. إذا كانت هذه الأطنان كلها قد عرقلت السلطات وصولها إلى وجهتها، فإن أحجاما أكبر غالبا وجدت طريقها إلى هدفها النهائي.

في الحرب المعلنة على المخدرات، يحدث تقدم كبير في عمل السلطات، ويبرز دور قوات الشرطة في جعل مهمة منظمات الاتجار في المخدرات أكثر صعوبة مما كان عليه الحال في وقت مضى. ولكن، في كل مرة تحرز فيها السلطات تقدما على جانب، تستطيع تلك المنظمات أن تكسب، كذلك، موطئ قدم مجددا. ستستمر هذه المعضلة وقتا طويلا بالطبع، وفي غالب الأحوال، لن يصيبها الصدأ. في حروب المخدرات، كما علمتنا التجارب، تتحقق الانتصارات بشكل ظرفي فحسب. في كولومبيا، جرى التخلص من بابلو إسكوبار، في أواسط عقد التسعينيات الفائت، لكن عصابات منطقة مديين مازالت مزدهرة حتى الآن. كذلك، فإن الدرس المكسيكي يقدم لنا العبر الضرورية؛ يمكن أن تشن الحرب على منظمات المخدرات، وأن تقحم الجيش في المعارك، لكن كل ما ستجنيه هو محو عصابة من على وجه الأرض، حيث تستطيع أخرى، في ظرف قياسي، أن تستحوذ على ميراثها وأعمالها. منذ 2006، ليس هناك أي تقدم في مواجهة منظمات المخدرات في المكسيك.

في المغرب، حيث الحالة متشابهة، أي باعتبار هذه المناطق جميعا مصدرا لإنتاج المخدرات أولا، يستطيع المرء أن يحصي خسائر العصابات بالطريقة نفسها التي يمكنه أن يحصي بها تلك التي ستخلفها. لم تنجح حملة التطهير في التسعينيات في كبح أعمال منظمات تهريب المخدرات، وعلى ما يظهر، فإن النتائج الوحيدة التي تحققت هي إفلاس زعماء عصابات، وترك الأرض خلاء لعصابات جديدة.

تحاول السلطات أن تجعل هذه الحرب المفتوحة على منظمات تهريب المخدرات ذات هدف استراتيجي؛ ألا تتشكل عصابات للاحتكار، وألا تتحول -وهذا هدف رئيس- إلى منظمات عنيفة. ما يهم في هذه المقالة هو أن نوضح أن هذا الهدف يمكن أن يصبح هشا، إذا ما تُركت لهذه المنظمات مساحة أكبر للعمل.

في هذا الشهر، انتشر مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي تضمن تهديدات من جماعة يظهر أنها مسلحة لخصومها. هذه المرة، كان المشهد على الطريقة المكسيكية، حيث يحيط عدة أشخاص بشخص مستسلم، فيما يجري فحص سيارته، ثم استجوابه بطريقة مهينة، ويُطلب منه أن يشرع في ذكر الأسماء، وسيفعل ذلك. كانت تلك عصابة مخدرات تقوم بدورها في دفع عصابات أخرى إلى الاحتراق. السيارة كانت مليئة بالمخدرات المعدة للنقل عبر البحر، والأسماء التي ذُكرت في مقطع الفيديو ذات رنين خاص.

تمول الموارد التي يجري جنيها من المخدرات بنية تحتية هائلة في شمال البلاد. العقارات الهائلة، وقد شيدت على أبرز مناطق مدينتي طنجة وتطوان على سبيل المثال، هي، في الواقع، مشاريع تبييض أموال قذرة مصدرها المخدرات. وبمقدور الأرباح، التي تجنى من هذه التجارة، أن تشكل وجها أكثر تحديثا أو إغراء لمناطق شمال البلاد.

لكن هذه الأرباح نفسها تغذي ما هو أخطر؛ حروب منظمات المخدرات ضد بعضها البعض. لنعد إلى مقطع الفيديو المذكور أعلاه؛ فقد أدى إلى النتائج غير المتوقعة تماما. وبدلا من الحصول على بقشيش من عصابات التهريب الأكثر مقدرة، وهي المذكورة في الفيديو، كاد مصوروه أن يلقوا حتفهم في واحدة من الحوادث النادرة في مجتمع المخدرات، حينما يتحول الانتقام إلى خيار أخير لتجنب إزعاج غير ضروري من لدن رجال عصابات غير متزنين. ولسوف يسوء الوضع أكثر؛ باتت السلطات الآن أكثر اقتناعا بأن هذه العملية قادت إلى واحد من أسوأ حرائق الغابات في شمال البلاد عقب تخلص متعقبين محترفين من سيارة في الخلاء، وإضرام النار فيها تفاديا لتتبع أثرهم من لدن السلطات. في وقت سابق من ذلك اليوم، كانت مطاردة بالسيارات عبر الطرق المجاورة لمكان يقيم فيه الملك، قد انتهت بحادث سير كبير.

تصبح منظمات تهريب المخدرات أكثر خطورة عندما يجري المساس بمصالحها من لدن خصومها. وعلى العكس من ذلك، فهم يستسلمون بشكل غريب لتضييق السلطات. لا ترغب هذه المنظمات في مواجهة مع السلطات، وليس هناك سوى حوادث نادرة من هذا القبيل جرى تسجيلها. لكن، من طبيعة المنظمات، التي تتقوى باستمرار، أن تشعر بالتفوق أكثر فأكثر كلما زادت أرباحها، أو توسعت سيطرتها على المناطق. القصص المتعلقة بتهديد رجال درك على الشواطئ المحاذية لميناء طنجة المتوسط يجري تداولها وكأنها من أعمال البطولة. كذلك، فإن الطريقة التي نجحت بها عصابات في السيطرة على منافذ تهريب بالقرب من القصر الصغير، قد ولدت كراهية كبيرة لدى عصابات منافسة.

إذا ما سمحت السلطات لمنظمات تهريب المخدرات بأن تستوطن «ملاذا» باطمئنان، فإنها تتيح الفرصة، دون شك، أمام وقوع حوادث عنف. تتعزز هذه المخاوف بعد معرفة الكم الهائل للأرباح التي جرى جنيها في ظروف الجائحة، والتي يتعين حمايتها.

في هذا التحذير –بقدر ما يبدو روتينيا وكئيبا كذلك- حقيقة ليست تافهة، وهي أن منظمات المخدرات عصية على الاجتثاث. وينبغي على السلطات أن تعالج وضعا تتزايد فيه قوة هذه العصابات، دون أن يؤدي ذلك إلى تدهور أمني شامل. مازالت قوات الشرطة، وكذلك الصحافيون، يملكون هيبة، وهم، تبعا لذلك، بعيدون عن أي عنف من لدن هذه المنظمات، ومع ذلك، يجب الاحتراس.

في قصة شريط الفيديو أعلاه حل لأحجية. في شتنبر الفائت، نجحت السلطات الإسبانية في محو البنية البشرية لمنظمة تهريب مخدرات في منطقة الجزيرة الخضراء. بين 45 شخصا جرى اعتقالهم هناك، لم يكن اسم الزعيم موجودا.. عبد الله الحاج، المطلوب الأكثر شهرة بين زعماء منظمات المخدرات، ولسوف تعرفونه بلقب «ميسي». أين هرب؟ بفضل شريط الفيديو، سوف يظهر أن الرجل وجد لنفسه ملاذا في شاطئ يبعد بعشرة كيلومترات فحسب عن ميناء طنجة المتوسط، ولقد أعاد تشكيل منظمته، وهو مستمر في عمله دون اكتراث، وربما باطمئنان أكثر. هذه قصة نجاح شخص تلخص خيبة أمل السلطات.

شارك برأيك