عادل بنحمزة يكتب: الربيع المغدور… أو الأفق ما بعد السياسي! – اليوم 24

عادل بنحمزة يكتب: الربيع المغدور… أو الأفق ما بعد السياسي!

  • عادل بن حمزة  يكتب: لا مسار سياسي مع قطاع الطرق!

  • البرلمان

    عادل بنحمزة  يكتب: معاشات البرلمانيين.. القشة والبعير!

في آخر حواراته الصحفية مع جريدة “الأخبار اللبنانية”، قال صاحب “بيان في النهضة والتنوير العربي” الراحل الطيب تيزيني عن الوضع في سوريا وما عرفته من انتفاضة جماهيرية وشعبية واسعة: “كان الخروج من أجل التغيير ناقصاً وسابقاً لوقته، إضافة إلى أن ما حدث اختُرِقَ من هنا وهناك. كان في طور النضوج. وكانت الطبقة الوسطى تتجه نحو اكتشاف المداخل الشرعية إلى ذلك. ويضيف الراحل تيزيني أن هناك فئات خرجت لمجرد الخروج، واعتُبر ذلك شيئاً جيداً، لا بأس، فهذا الذي خرج في اللحظة غير المناسبة قد يكتشف نفسه ويكتشف مواقعه. سارت التظاهرات سلمية، بدأ بعدها الصراع المسلح. ومؤسف أن يقال بعد ذلك، إن أولئك السوريين خرجوا مسلحين، وأنا شاهد. كانت تظاهرات تسعى إلى إعادة البناء من داخل البناء نفسه وعبر الجميع إن أمكن. كانوا قد مثلوا فكرة يسوعية هائلة (اغفر لعدوك)، خرجوا باسم مشاريع طُرِحت سابقاً ولم يُستجب لها. أتت المفاجأة بظهور السلاح، وظلت سوريا تفترض منذ سبع سنوات أن السلاح يمكن أن يزول في لحظة ما ولم يزل، وظلت الاحتمالات موجودة بوجود من يحمل السلاح”. فلا السلاح زال، ولا حاملوه اختفوا من الخريطة، ولا السوريون عادوا إلى بيوتهم وقد وضعوا حجر الأساس لبلد ديمقراطي، ولا حكام دمشق استجابوا لمطالب الشعب…، يمكن قول الشيء عينه عن كثير من الدول، عاشت انتفاضات شعبية واسعة بشعارات حالمة سرعان ما تكسرت على صخرة الواقع، ولعبة المحاور والأطراف الخارجية التي عملت بكل جهد على إجهاض أحلام الشعوب في تحقيق أي تقدم ديمقراطي، لا يتعلق الأمر فقط، بشمال إفريقيا والشرق الأوسط، بالنظر إلى تشابك المصالح في المنطقة، بل يسري الأمر عينه على بلدان الثورات الملونة مثل أوكرانيا وجورجيا وقيرغيزيستان، والتحولات الواعدة التي حملتها المؤتمرات الإفريقية للديمقراطية بداية التسعينيات من القرن الماضي، ودون الحديث عن تجربة دول أمريكا الجنوبية التي دأبت واشنطن على أن تتعامل معها كمجرد حديقة خلفية، تمردت لفترة بعد موجة اليسار، لكنها عادت إلى موقعها الطبيعي كظل للولايات المتحدة الأمريكية، الحصيلة من كل الانتكاسات التي عرفتها حركات التغيير، هي إما فشل العملية ككل وخروج الأنظمة التي يراد إسقاطها أكثر قوة، وإما نجاح محدود يسقط سريعا في إطار نموذج الدولة الفاشلة بفعل الحصار الخارجي وقوة الطلب الاقتصادي والاجتماعي في الداخل، أو انهيار أمني واقتصادي واجتماعي كامل يُدخل البلاد في أتون حرب أهلية مدمرة، فيبقى الحل الوحيد هو توافق كل القوى وإعادة الاعتبار للفكرة الإصلاحية..

الموجة الأخيرة لربيع الشعوب الذي عبر من طهران إلى سانتياغو أفرز معركة نوعية ومختلفة، صحيح أنها جرت وفقا للسياقات المحلية لكل بلد والشروط التي أنتجت واقعها السياسي والاجتماعي، لكنها توحدت في جزء من مطالبها واتهاماتها، عندما انتقدت السياسات الاقتصادية والمالية شديدة الصلة بالمؤسسات المالية الدولية، خاصة صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، كأداتين إيديولوجيتين قبل أن تكونا أداتين ماليتين بيد الرأسمال العالمي المهيمن، كما أن تلك الحركة الجماهيري وقبلها موجة “الربيع العربي” ركزت بشكل واضح على محاربة الفساد الذي يعتبر النتيجة الطبيعية لزواج رأس المال بالسلطة السياسية، وكذلك نقد هيمنة النزعة التقنية والمحاسباتية على الجانب الاقتصادي بما يقلب رأسا على عقب تعريف الاقتصاد بما هو خلق الثروة وآليات توزيعها في المجتمع، هذه النزعة النيوليبرالية أسس لها بشكل كبير الثنائي مارغريت تاتشر ورونالد ريغن بداية الثمانينيات من القرن الماضي، وها هي اليوم تصبح تحت أقدام المحتجين في الشوارع.

يعرف العالم منذ نهاية القرن الماضي تحولات عميقة على مختلف المستويات، مست بالأساس الجوانب الاقتصادية التي كانت لها انعكاسات عميقة على مفهومي الديمقراطية والدولة ودور هذه الأخيرة، ومن خلالها دور مؤسسات الوساطة التقليدية المتمثلة في الأحزاب السياسية والنقابات العمالية وغيرها، وما رافق هذه الوسائط من سرديات قدمت تصورها للدولة والمجتمع من زوايا مختلفة. الأكيد أن جُل بلدان العالم تعيش هذه التحولات دون امتلاك القدرة على التحكم فيها أو الحد من تبعاتها، فإذا كان الأمر على المستوى الاقتصادي يتم وفق عملية الاحتواء والدمج من قبل الرأسمال العالمي الذي بلغ درجة عُليا من التركيز في زمن تغول النيوليبرالية، فإن تبعات ذلك على المستوى الاجتماعي والسياسي يحتاج إلى بحث أعمق وإلى مسائلة نقدية، إذ يرى البعض أننا نعيش زمن الأفق ما بعد السياسي في ظل تراجع الفكرة الديمقراطية بتراجع أسسها الاقتصادية.

في أعقاب الأزمة المالية التي تحولت إلى أزمة اقتصادية سنة 2008 وبعد انطلاق الربيع العربي الذي أسقط ثلاثة رؤساء بشكل متوالي، عرفت الولايات المتحدة الأمريكية، معقل الرأسمالية المتوحشة، حركة جماهيرية تدعى: “لنحتل وول ستريت”، وقد حددت هدفا لها هو مواجهة جشع الرأسماليين وسلطتهم في الدولة، في لحظة كانت الأزمة الاقتصادية في طريقها للخروج عن السيطرة مع انهيار مؤسسات الائتمان الكبرى، ما يجري اليوم في عدد من بلدان العالم يمكن اعتباره نقطة نظام حول المسارات التي اتخذتها الرأسمالية المتوحشة، التي بسطت قيمها ومنطقها، في ظل غياب أية بدائل فكرية قادرة على قيادة مواجهة إيديولوجية بشكل يحقق التوازن المفقود منذ انهيار جدار برلين وتفكك الكتلة الشيوعية، ما يجري اليوم لا يميز بين المصارف والأنظمة، فكثير من هذه الأخيرة أضحت مجرد ملحقات للمصاريف، فهل نحن أمام مخاض يمثل مقدمة لمواجهة مقبلة بين الشعوب وبين الرأسمالية المتوحشة؟

شارك برأيك