عادل بنحمزة يكتب: تدبير الجائحة بالخيبة! – اليوم 24

عادل بنحمزة يكتب: تدبير الجائحة بالخيبة!

  • عادل بن حمزة  يكتب: لا مسار سياسي مع قطاع الطرق!

  • البرلمان

    عادل بنحمزة  يكتب: معاشات البرلمانيين.. القشة والبعير!

ماذا فعلت بعد خيبتك الأولى؟ يجيب محمود درويش، لا شيء… دخلت لخيبتي الثانية بكامل إرادتي. هكذا يمكن وصف تدبير جزء من جائحة كورونا في بلادنا.

فإذا كانت الجائحة قدرا بحكم كونيتها وطبيعتها الفجائية وشموليتها، فإن اتخاذ القرارات بشأن كثير من القطاعات المرتبطة بها، مثل خيبة مضاعفة لا تقل فداحة عن الجائحة نفسها، وأحد هذه القطاعات الحيوية والمصيرية هو قطاع التعليم، إذ يهم أزيد من 8 ملايين تلميذ وطالب وملايين الأسر.

لهذا كان من البديهي أن ترتفع كثير من الأصوات الغاضبة عندما ألقى وزير القطاع بقراراته وتصور وزارته للدخول المدرسي وتدبير السنة الدراسية ككل. تلك القرارات وذلك التصور احتكره قطاع التربية والتعليم، إذ لم يعرض، لا على البرلمان من خلال اللجان المختصة، ولا على النقابات التي تضم آلاف من الأطر التربوية التي سيناط بها تنفيذ أي خطة وزارية وتنزيلها على الأرض، ولا جمعيات الآباء وأولياء أمور التلاميذ على محدودية تمثيليتها.

ورغم أن الوزير تشبث بالانفراد بتدبير الدخول المدرسي في مرحلة دقيقة وخطيرة جدا من تطور الوضع الوبائي، فإنه فضل أن يُلقي بعبء المسؤولية من على وزارته، التي تتوفر على كافة المعطيات المتعلقة بتطور الحالة الوبائية وبالإمكانيات البشرية واللوجيستيكية، والتي تحتكم عليها الوزارة عند تنزيل أي سيناريو، إلى الأسر كي تختار بين التعليم الحضوري أو التعليم عن بعد، وذلك في ظل مجتمع تتجاوز فيه الأمية 38 في المائة ومعها انعدام الوسائل والإمكانيات بسبب الهشاشة والفقر، فكل اختيار ينطوي على كلفة معينة، المفارقة هي أن تلك الأسرة هي نفسها التي يجري تهميشها في اختيار لغة التدريس، وفي اختيار الساعة القانونية التي روعت الأسر خاصة في فصلي الخريف والشتاء.

ورغم كل الصرخات والغضب، فإن الوزارة ومعها الحكومة، تعاملت بمنطق الأمر الواقع، وفرضت ذلك على من تدعي اليوم إشراكهم في اتخاذ القرار، والحال أن الوزارة والحكومة بكل الإمكانيات التي تتوفر عليها، لم تستطيعا الحسم في اختيار معين، فكيف يتسنى ذلك لأسر أغلبها مستواه الدراسي لا يتجاوز السلك الابتدائي؟

ارتباك وزارة التربية الوطنية وارتجاليتها، لم يقتصر فقط، على تدبير الدخول المدرسي، الذي ألقي به للأسر وللأكاديميات والنيابات ولمديري المؤسسات التعليمية والأساتذة عبر مذكرات ومنشورات، بل تعدى ذلك إلى العبث في تقرير إجراء الامتحانات أو تأخيرها.

فبينما فسر السي أمزازي قرار الوزارة تأجيل إجراء الامتحانات الجهوية للسنة أولى باكالوريا بالحالة الوبائية وضرورة عدم المغامرة بـ 330 ألف تلميذ، فإننا نجده يقرر إجراء امتحانات الدورة الربيعية لطلبة المؤسسات الجامعية ذات الاستقطاب المفتوح وعددهم يتجاوز 700 ألف، كما أن الوزارة التي تعجز عن إجراء امتحان لـ 330 ألف تلميذ، هي نفسها تدعي قدرتها على ربح رهان دخول مدرسي آمن لأزيد من 8 ملايين تلميذ وطالبة (…) وتدعو أزيد من 750 ألف طالب لاجتياز الامتحانات، علما أن الوزارة ذاتها كانت قد أجرت امتحانات الباكالوريا.

بأي منطق يمكن تصنيف هذه القرارات؟ وهل استند أصلا على منطق؟

دعونا نكون واضحين، فتدبير جائحة مثل كورونا ليس بالأمر السهل، لهذا فالانتقادات التي توجه لهذا الطرف أو ذاك، هي من صنف الحس بالمسؤولية الجماعية والرغبة في المساهمة في إنضاج الحلول الأقل كلفة، لهذا فكل من يسعى إلى الانفراد بالقرارات تقع عليه المسؤولية كاملة، بما في ذلك المسؤولية الجنائية التي كانت موضوع نقاشات وتعديلات مست قوانين الطوارئ في عدد من دول العالم، بما في ذلك فرنسا التي تمثل نموذجا لدى مجموعة من صانعي القرار، وكذلك الأمر في بريطانيا، حيث تقرر الاحتفاظ بمداولات لجنة اليقظة التي تتابع تنفيذ حالة الطوارئ، وذلك حتى يتسنى لها ترتيب الجزاءات عن كل التجاوزات والأخطاء التي كان بالإمكان عدم الوقوع فيها. إذ إن حياة الشعوب، وتحت أي ظرف، لا يمكن أن تكون لعبة في يد هذا و”همزة” في يد ذاك.

لقد كان بالإمكان فتح النقاش حول حصيلة التعليم عن بعد، وعن الإمكانية الواقعية لإعادة العمل به، فمحاولات التعليم عن بعد وليس التعليم أونلاين، للتدقيق، كشفت صعوبات كثيرة يتعلق جزء كبير منها بالأمية والمستوى المادي، لكنها كشفت الثمن الذي نؤديه اليوم بسبب التعددية الزائفة للكتاب المدرسي، والذي يُخفي في الواقع جشع كثيرين ممن حولوا الأمر برمته إلى عملية تجارة محضة.

لو كان لنا كتاب مدرسي موحد اليوم، لكانت عملية تسجيل وبث الدروس مسألة بسيطة ويمكن إنجازها مركزيا فقط، وبأعلى المستويات التقنية وتوظيف مثالي للمنصات العالمية للتعليم التي وضعها عمالقة التكنولوجيا رهن إشارة الجميع، بدل ما شاهدناه وتابعناه من محاولات ومجهودات استثنائية قام بها أطر وكفاءات المدارس العامة والخاصة، دون خبرة ولا تكوين سابق في طريقة وأسلوب التعليم عن بعد والذي لا تسعفه أيضا مناهجنا القائمة على التلقين والاستظهار…

فلماذا لم يتم استخلاص الدروس وإعادة النظر في موضوع الكتاب المدرسي الذي فاحت رائحة من يعتبرونه كعكة لا يمكن الاقتراب منها؟ هل حتى في ظروف الجائحة يمكن للوبيات وأصحاب المصالح فرض رأيهم وصيانة مصالحهم؟

وإذا كان الأمر يحتاج إلى تذكير، فإننا نذكر بأن بلدا مثل الولايات المتحدة الأمريكية، التي تمثل أقصى نماذج الرأسمالية، تمثل فيها المدرسة العمومية 90 في المائة من التعليم الابتدائي في البلاد، وأن النسبة المتبقية لا تمثل كلها تعليما خاصا بدوافع تجارية، بل إن أغلبها يعود لأسباب إيديولوجية، خاصة بالنسبة إلى المسيحيين الإنجيليين واليهود الأصوليين. بمعنى آخر أنه في أشد الدول ليبرالية، لازال للدولة والقطاع العمومي، دور مركزي في التعليم الأساسي على الأقل..

إن الأزمة الحالية، رغم قساوتها، تمثل فرصة نادرة لإعادة الاعتبار للمدرسة العمومية ونزع الطابع التجاري عن التعليم، وخاصة التعليم الأساسي، ومراجعة المناهج المتخلفة والمقررات المتضخمة ومنطق الاستظهار والحفظ. فهل نأمل في أن يتم تدارك الأمر قبل أن يتحول الدخول المدرسي إلى جحيم حقيقي بعد إخفاقات تأمين عودة المصانع إلى العمل؟

يقول إميل سيوران: “من بين كل ما يعذبنا لا شيء مثل الخيبة يمنحنا الإحساس بأننا نلمس أخيرا ما هو حقيقي”. والحقيقة مرة…

شارك برأيك