إسماعيل حمودي يكتب: حراسة التفاهة إلى متى؟ – اليوم 24
اسماعيل الحمودي
  • اسماعيل الحمودي

    إسماعيل حمودي يكتب: الكركرات تكسر الوهم الجزائري

  • اسماعيل الحمودي

    إسماعيل حمودي يكتب: وعود بايدن الحالمة

  • إسماعيل حمودي يكتب: أمريكا على المحك

الرأي

إسماعيل حمودي يكتب: حراسة التفاهة إلى متى؟

استطاع العقل السياسي، الذي ابتدع فكرة القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية، أن يثير نقاشا سياسيا ودستوريا لم تستطع الأحزاب القائمة أن تصنع مثله منذ آخر انتخابات تشريعية. أتصور أنه عقل ماهر في التكتيك، الذي يُدبر كل لحظة بمعطياتها، مادامت تعوزه الإمكانات والقدرات، ربما، للخوض في ما هو استراتيجي.

إن ربط فكرة القاسم الانتخابي بالرغبة في حماية التعددية الحزبية والسياسية، على اعتبار أنها ثابت أساسي في حياتنا السياسية، هو إقرار بأن هذه التعددية ليست حقيقية، وإنما مصطنعة، وفي حاجة إلى حِيَل أو تقنيات انتخابية للبقاء، وهذه حقيقة لا تحتاج إلى جدال، لأنها واضحة، فضلا عن أن فكرة القاسم الانتخابي تؤكدها حتى لو لم يقصد أصحابها ذلك.

ابتدع البعض فكرة «حماية الأقليات العددية»، التي لا أدري من أين أتى بها، لكن، حتى لو اعتُمدت هذه الفكرة، فإن الحماية لا تعني حراسة التفاهة، بل توفير الأطر القانونية والمؤسساتية التي تضمن المساواة وعدم التمييز وتكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين، وتحمي، في الوقت نفسه، مبادئ أخرى، مثل المنافسة والنزاهة والعقلنة. إن البعض يريد تكريس الريع الحزبي عبر القاسم الانتخابي، من خلال تيسير سبل ولوج المؤسسات التمثيلية لأحزاب لا تستحق أن تمثل المواطنين، ببساطة، لأنها لا تبذل الجهود الكافية لنيل ثقتهم.

فضلا عن ذلك، فالتلويح بالقاسم الانتخابي الجديد، بذريعة حماية التعددية، يعارض تطلعات المواطنين المتزايدة إلى الوصول إلى مؤسسات تمثيلية حقيقية، يلجها من يستحق، بجديته وعمله وقدرته، على المنافسة في سوق انتخابية حرة. ويمكن أن نلاحظ تلك التطلعات من خلال استطلاعات الرأي (المؤشر العربي) التي أكدت باستمرار ضعف ثقة المواطنين في مؤسسات الحكومة والبرلمان والأحزاب، وفي الوقت نفسه، تعبر عن رغبتهم بإلحاح في نظام ديمقراطي تعددي سليم.

على الذين يدافعون عن فكرة القاسم الانتخابي الجديد، والتي ليست سيئة في حد ذاتها، طرح النظام الحزبي ككل للنقاش، لأن فكرة القاسم الانتخابي قد تكون مقبولة إذا كانت بغرض تجديد النموذج الحزبي المغربي، أما وإن هذا النموذج قد وصل إلى مداه، فإن الفكرة المذكورة قد تؤدي إلى مزيد من الإفساد، فيما يزعم أصحابها الرغبة في الإصلاح.

قد يكون نقاشنا مثمرا إذا نحن اتفقنا على أن النموذج الحزبي المغربي قد وصل إلى مداه، لأسباب تلتقي في جوهرها حول «سياسة التوازن المتحكم فيه» بين الأحزاب لصالح مركز السلطة، حيث حرصت هذه الأخيرة على أن تُحدث ذلك التوازن بجميع الوسائل، داخل كل حزب، وبين الأحزاب المنبثقة من المجتمع (وطنية، يسارية، إسلامية…)، فضلا عن اصطناع أخرى من النخب المفضلة لديها. اليوم يظهر أن سياسة التوازن تلك وصلت إلى مداها، واستنفدت أغراضها، خصوصا أنها أدت، من جهة، إلى إضعاف الأحزاب المنبثقة من المجتمع (انظروا إلى حال الاتحاد الاشتراكي)، دون أن تنجح في دفع الأحزاب المفضلة لدى السلطة إلى التجذر في المجتمع، وهكذا، رغم أن عمر التجمع الوطني للأحرار، مثلا، يتجاوز أربعين عاما، فإنه لا يبدو أنه يتمتع بالتجذر الكافي وسط الناس.

لقد أدت سياسة التوازن تلك إلى تهشيم الأحزاب التاريخية، وحين كانت تنهار أمام الجميع، لم تتحمل السلطة مسؤوليتها في إنقاذها، واليوم تريد، من خلال تقنيات ريعية في المنتهى، الحفاظ على هياكل فارغة من كل شيء، وتدمير آخر تجربة سياسية منظمة يمثلها حزب العدالة والتنمية.

إذا نحن وضعنا فكرة القاسم الانتخابي في هذا السياق العريض، أي فشل النموذج الحزبي المتحكم فيه من لدن السلطة، ستبدو تلك الفكرة بمثابة تقنية هدفها حراسة التفاهة لا غير، أي استمرار الوضع الحزبي المترهل كما هو دون تغيير جدي. هكذا، بدل دفع الأحزاب إلى تغيير نفسها في دورة جديدة، تماشيا مع الرغبة الملكية في تدشين دورة جديدة من الإصلاحات الهيكلية، قد يكون النموذج التنموي المرتقب وسيلتها، تبدو فكرة القاسم الانتخابي تقنية ريعية متخلفة عن الطموح الملكي.

على الذين يدافعون عن فكرة القاسم الانتخابي أن يطرحوا السؤال التالي: ماذا عن انتخابات 2026؟ هل نلجأ إلى ابتداع قاسم انتخابي على أساس عدد السكان؟ ما «اللعيبات» التي يمكن القيام بها في حينه لإنقاذ من لا يستحق مرة أخرى؟ هل الغرض هو مؤسسات تمثيلية محترمة تليق بنا بصفتنا مواطنين ندفع الضرائب ونحلم بوطن مستقر ومزدهر، أم ديكور سياسي تُحرك فيه أحزاب مثل دمى من خارج الملعب؟

على صانعي اللعبة أن ينتبهوا إلى المفارقة التالية؛ من جهة، لدينا تطلعات مواطنين تتسع باستمرار إلى مؤسسات تمثيلية حقيقية، ولدينا، من جهة ثانية، ألاعيب نخب حزبية تفكر من خارج روح دستور 2011. إن هذه المفارقة مافتئت تتسع، وقد أكد المؤشر العربي (2020) ارتفاع الطلب على الديمقراطية مجددا في المنطقة وفي المغرب، بالنسب نفسها التي كانت سنة 2012، وهو معطى لا ينبغي الاستهانة به، بعيدا عن الخطاب الإيديولوجي الجديد حول التنمية، لأننا بلد له مشاكل أكبر من إمكانياته وموارده، وحلها الأساسي في تلازم الديمقراطية والتنمية معا، وهو تحدٍّ أساسي لا يبدو أن أصحاب فكرة القاسم الانتخابي لديهم الجواب عنه، لأنهم مشغولون بالمقاعد البرلمانية ليس أكثر.

شارك برأيك